سؤال من الأخ الشيخ محمد ح.ن. من جمهورية بنغلاديش، يقول: أيها الشيخ، فضيلة الدكتور، ما حكم الإعلان عن الحداد الوطني؟ يؤمر به من جانب الحكومة، وعامة الشعب ملزمون به؟ نستفيد من علومكم النافعة على ضوء القرآن والسنة.

الحداد المشروع

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا ورسولنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

الإحداد في اللغة: المنع، ومنه امتناع المرأة عن الزينة؛ إظهارًا للحزن([1]).

وفي الاصطلاح: امتناع المرأة من زينة وما في معناها، مدة مخصوصة، في أحوال مخصوصة([2]).

والجواب عن الحداد على الميت من وجهين:

الوجه الأول: الحزن عليه: وهذا من طبيعةٍ في الإنسان، فقد حزن رسو ل الله -صلى الله عليه وسلم- على ولده إبراهيم وعلى بناته الثلاث، ودمعت عيناه -عليه الصلاة والسلام- وقال: (إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، والقَلْبَ يَحْزَنُ، ولَا نَقُولُ إلَّا ما يَرْضَى رَبُّنَا، وإنَّا بفِرَاقِكَ يا إبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ)([3])، وقد أنكر على من قال: إن الشمس قد كسفت لموت إبراهيم، وقال: (إنَّ الشمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتِ اللهِ يُخوِّفُ اللهُ بهما عبادَه، وإنَّهُما لا ينكسفانِ لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه، فإذا رأيت كسوفَ أحدِهما فصلُّوا حتى ينجلي)([4]).

كما حزن -عليه الصلاة والسلام- على عمه حمزة بن عبد المطلب([5])، وحزن على القادة الذين قتلوا في غزوة مؤتة، كما حزن على جعفر الطيار، وقال: ” اصنعوا لآلِ جعفرٍ طعامًا؛ لأنه أتاهم ما يشغلُهم”([6]).

الوجه الثاني: الحداد على الميت: فرغم ما أصاب الصحابة والمسلمين من الفزع والحزن على موت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سيد الأولين والآخرين، وقائد الغر المحجلين، تماسك الصحابة وتعاهدوا على اتباع سبيله، فخرج أبوبكر الصديق -رضي الله عنه- وقال: ” مَن كانَ مِنكُم يَعْبُدُ مُحَمَّدًا -صلى الله عليه وسلم-، فإنَّ مُحَمَّدًا قدْ مَاتَ، ومَن كانَ مِنكُم يَعْبُدُ اللَّهَ فإنَّ اللَّهَ حَيٌّ لا يَمُوتُ”([7]) لم يحد أحد عليه، ولم يحد أحد من الصحابة على موت أبي بكر، ولا على موت عمر وعثمان وعلي -رضوان الله عليهم- بل كانوا يحزنون مجرد حزن عليهم، ويترحمون عليهم ويدعون أن يعوض الله المسلمين في من يفقد من قادتهم. ولم يذكر التاريخ أن أحدًا قد حد على من مات من التابعين أو من الأئمة الأعلام، كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد -رحمة الله عليهم-.

فعلى هذا لا يجوز الحداد إلا في حالتين:

الحالة الأولى: حداد الزوجة بعد وفاة زوجها، فتحد أربعة أشهر وعشرة أيام؛ لقول الله -عز وجل-: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) (البقرة: 234).

الحالة الثانية: حالة المرأة تحد على قريبها ثلاثة أيام فقط؛ لما ورد في ذلك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فعن أمِّ حَبيبةَ زَوجِ النَّبـيِّ -صلى الله عليه وسلم-، قالت: (سَمِعتُ رَسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقولُ: لا يَحِلُّ لامرأةٍ تُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ أن تُحِدَّ على ميِّتٍ فَوقَ ثلاثِ ليالٍ، إلَّا على زَوجٍ أربعةَ أشهُرٍ وعشرًا)([8]).

وماعدا ذلك فلا يجوز الحداد؛ لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَن أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هذا ما ليسَ فِيهِ، فَهو رَدٌّ)([9]).

هذا في عموم المسألة، أما الجواب عن سؤال الشيخ محمد فالحداد يجوز فقط في الحالتين المشار إليهما، فعلى المسلمين جماعات وأفرادًا أن يتبعوا ما ورد في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسنة خلفائه الراشدين.

والله -تعالى- أعلم.

[1] – لسان العرب، والمصباح المنير، ومختار الصحاح مادة: (حدد)

[2] – فتح القدير 3 / 293، وحاشية ابن عابدين 2 / 616 وما بعدها والحطاب 4 / 154 ونهاية المحتاج 7 / 140 والمغني لابن قدامة 9 / 166.

[3] – أخرجه البخاري برقم (1303)، ومسلم برقم: (2315).

[4] – أخرجه البخاري برقم ((1040).

[5] السيرة النبوية لابن هشام ج2 ص 111.

[6] أخرجه أبو داود (3132)، والترمذي (998)، وابن ماجه (1610) مع اختلاف يسير عندهم، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي(998).

[7] أخرجه البخاري(4452).

[8] أخرجه البخاري (5334) واللفظ له، ومسلم (1486).

[9] – أخرجه البخاري برقم: (2697).