بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبعد:
فالخلع: إزالة ملك النكاح ببدل بلفظ الخلع([1])، وسببه الشقاق بين الزوجين وعدم قدرتهما على إبقاء العلاقة الزوجية سليمة من الكدر؛ مما يؤدي إلى عدم إقامة حدود الله بينهما، والأصل أن طلبه يكون من جانب المرأة؛ لأنها لا تستطيع الفكاك من عقد الزوجية في حال الشقاق إلا بهذه الوسيلة، فإذا لم تستطع القيام بحقوق الزوج وحسن صحبته ومعاشرته، صار لها الحق أن تفتدي منه، فترد عليه ما أعطاها، وهذا بخلاف الزوج المشاق؛ لأن العصمة في يده فيطلق متى شاء، والأصل في شرعيته الكتاب والسنة والإجماع والمعقول.
أما الكتاب: فقول الله عز وجل: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229]، .
وأما السنة: ففي موطأ الإمام مالك: أن حبيبة بنت سهل الأنصارية كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس، وأن رسول الله ﷺ، خرج إلى الصُّبِح فوجد حبيبة عند بابه في الغلس، فقال رسول الله ﷺ (من هذه؟) قالت: أنا حبيبة بنت سهل يا رسول الله، قال (ما شأنك؟)، قالت: لا أنا ولا ثابت بن قيس لزوجها، فلما جاء زوجها ثابت بن قيس، قال له رسول الله ﷺ: (هذه حبيبة بنت سهل، قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر)، فقالت حبيبة: يا رسول الله، كل ما أعطاني عندي، فقال رسول الله ﷺ (خذ منها) فأخذ منها وجلست في بيت أهلها([2])، وفي رواية البخاري: أنها قالت: يا رسول الله، ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام؛ لا أطيقه، فقال رسول الله ﷺ (أتردين عليه حديقته؟)، قالت: نعم، قال رسول الله ﷺ (اقبل الحديقة وطلقها تطليقة)([3]).
وأما الإجماع: فإن هذا الحديث أصل في حكم الخلع، وعليه جمع من الصحابة، منهم عمر بن الخطاب، وعثمان، وعلي -رضوان الله عليهم- وقال به عامة الفقهاء في سلف الأمة:
ففي مذهب الإمام أبي حنيفة: إذا تشاق الزوجان وخافا ألا يقيما حدود الله، فلا بأس أن تفتدي نفسها منه بمال يخلعها به، فإذا فعلا ذلك وقعت تطليقة بائنة، ولزمها المال.. ويكره للزوج أن يأخذ أكثر مما أعطاها من المهر([4]).
وفي مذهب الإمام مالك: يجب الخلع إذا ترك الزوجان إقامة حدود الله، فإذا كان الرجل لم يضر بالمرأة، ولم يسئ إليها، ولم تؤت من قبله، وأحبت فراقه، فإنه يحل لها أن يأخذ منها كل ما افتدت به، كما فعل رسول الله ﷺ في امرأة ثابت بن قيس، أما إن كان النشوز من قبله بأن يضيق عليها، ويضرها رد عليها ما أخذ منها([5]).
وفي مذهب الإمام الشافعي: إذا كرهت المرأة زوجها، وخافت ألا تؤدي حقه جاز لها أن تخالعه على عوض؛ استدلالًا بالآية السابقة، وبقصة حبيبة بنت سهل مع زوجها ثابت بن قيس، فإن لم تكره المرأة من زوجها شيئًا، وتراضيا على الخلع من غير سبب جاز، لقول الله تعالى: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا} [النساء: 4]، ولأنه رفع عقد بالتراضي، جعل لدفع الضرر، فجاز من غير ضرر كالإقالة في البيع، أما إن ضربها أو منعها حقها، طمعًا في أن تخالعه على شيء من مالها لم يجز، لقول الله تعالى: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} [النساء: 19]، فإن طلقها في هذه الحال على عوض لم يستحق العوض؛ لأنه عقد معاوضة أكرهت عليه بغير حق فلم يستحق فيه العوض كالبيع([6]).
وفي مذهب الإمام أحمد: إذا كرهت المرأة زوجها لِخَلْقه أو خلُقِه أو دينه أو كبره أو ضعفه أو نحو ذلك، وخافت ألا تؤدي إليه حق الله، جاز لها مخالعته بعوض؛ استدلالًا بالآية السابقة، وبقصة حبيبة بنت سهل مع زوجها ثابت بن قيس بن شماس([7]).
هذه خلاصة آراء الفقهاء، ولم يعرف لهم في ذلك مخالف إلا بكر بن عبدالله المزني من التابعين، فقد رأى عدم جواز أخذ العوض عن الخلع؛ لأن الآية -كما يرى- قد نسختها آية النساء، وهي قول الله تعالى: {وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينا* وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 02-12]، ولم يوافقه أحد على هذا الرأي؛ لأنه لم يثبت أن الآية منسوخة([8])، وأما المعقول في الخلع، فإن الزواج مبني في أصله على المحبة والسكينة بين الزوجين، وما يقتضيه ذلك من حسن الصحبة والمعاشرة والمودة، لقول الله -عز وجل-: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون} [الروم: 21]، فإذا انتفت هذه العلاقة بين الزوجين يصبح اجتماعهما فاقدًا لأصله؛ ذلك أن النفوس ذات طبائع متغايرة، فمنها ما يتفق كلًا في هذا السلوك ومنها ما يتفق جزءًا فيه، ومنها ما لا يتفق أصلًا، فإذا كان الزوجان على هذا النحو يصبح تفرقهما هو المعقول، إن لم يكن هو الأصل كما قال تعالى: {وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلًا مِّن سَعَتِهِ} [النساء: 130]. وهناك أربعة أمور في مسألة الخلع:
الأول: أنه يحرم على الزوجة أن تطلب الخلع دون سبب مشروع، كمرض الزوج، أو ضعفه، أو سوء عشرته، أو نحو ذلك، مما يتعذر معه العيش معه، ففي حديث ثوبان أن رسول الله ﷺ قال: (أيما امرأة سألت زوجها طلاقًا في غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة)([9]). وفي رواية أخرى (المختلعات هن المنافقات)([10]).
الأمر الثاني: أن الخلع لا يفتقر إلى حاكم، فيجوز بدونه، وقال بذلك عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان -رضي الله عنهما-([11]). وهو قول الأئمة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد؛ لأنه عبارة عن معاوضة لا يفتقر إلى الحاكم، مثله مثل البيع والنكاح.
الأمر الثالث: أنه لا يجب للزوج المخالع من عوض إلا ما أعطاه لزوجته عينًا أو بقدره، ومن قال بهذا استدل بقول رسول الله ﷺ: (أتردين عليه حديقته؟) وفي رواية أنه -عليه الصلاة والسلام- أمره أن يأخذ منها ولا يزداد، وفي قول آخر: (أتردين عليه حديقته التي أعطاك؟) قالت: نعم وزيادة، فقال النبي ﷺ: (أما الزيادة فلا، ولكن حديقته)، قالت: نعم. فأخذ ماله وخلى سبيلها. وممن قال بأنه لا يأخذ منها فوق ما أعطاها طاوس وعطاء وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق، وقال آخرون منهم: عثمان وابن عباس وابن عمر -رضي الله عنهم- له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها([12]).
الأمر الرابع: أن على الزوجين في حال شقاقهما (توكيل) حكمين من أهلهما، عملًا بقول الله تعالى: {فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء: 53]. وقوله -عز ذكره-: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 922]؛ واستدلالًا أيضًا أن رجلًا وامرأة أتيا عليًّا -رضي الله عنه- مع كل واحد منهما جمع من الناس، فقال علي -رضي الله عنه- ابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، فبعثوا حكمين، ثم قال علي -رضي الله عنه- للحكمين: هل تدريان ما عليكما من الحق؟ عليكما من الحق إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما، فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله لي وعليَّ، فقال الرجل: أما الفرقة فلا فقال علي -رضي الله عنه- كذبت حتى ترضى بما رضيت به([13])، واستدلالًا أيضًا بقصة عقيل بن أبي طالب، وزوجته فاطمة بنت عتبة، فقد تخاصما فجاءت فاطمة إلى عثمان -رضي الله عنه- فبعث حكمًا من أهله عبدالله بن عباس، وحكمًا من أهلها معاوية بن أبي سفيان، فقال عبدالله بن عباس: لأفرقن بينهما([14]).
قلت: هذه خلاصة ما ورد في مسألة الخلع، وينبني عليه فيما يتعلق بالسؤال أن للزوجة الحق في اللجوء إلى القضاء لطلب الخلع من زوجها إذا كرهته؛ لسوء معاملته لها، فإن قبل بالمخالعة، فهذا ما يقتضيه الواجب عليه دينًا وخلقًا ومروءة، فإن أبى وجب على القضاء بعث حكمين: أحدهما من أهله، والآخر من أهلها؛ عملًا بقول الله تعالى: : {فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا}، فإن استطاعا الصلح بينهما فذلك خير، لما في استمرار عقد النكاح من الفوائد العظيمة للزوجين وذريتهما، وإن لم يستطيعا بسبب تعذر أو صعوبة التوافق بينهما، وجب التفريق بينهما؛ عملًا بقول الله تعالى: {وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلًا مِّن سَعَتِهِ}.
على أن هناك مسألة تتعلق بما جرت عليه العادة في الهند من كون الزوجة هي التي تدفع المهر لزوجها، خلافًا للأصل، فإن كان الأمر كذلك فيجب على الزوج أن يرد لها ما دفعته له كاملًا، إذا ثبت سوء عشرته لها.
وفي كل الأحوال يجب على الأزواج أن يتقوا الله في زوجاتهم ومعاشرتهن بالمعروف، فقد استوصى بهن رسول الله ﷺ في قوله في حجة الوداع: (واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنهن عندكم عوان)([15])، ومن الظلم وسوء الخلق وعدم المروءة أن يبخس الزوج زوجته حقها، فلا يحسن معاشرتها، ولا ينفق، أو يقصر في الإنفاق عليها، مما يتعارض مع ما شرع الله لها من الحقوق، فكل تعد على هذا الحق أو تنقيص منه يعد بخسًا وظلمًا لها، وفي هذا قال تعالى: {وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِين} [هود: 58]. وفي الحديث القدسي: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا)([16])، وقال رسول الله ﷺ: (اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة)([17]). وقال عليه الصلاة والسلام: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي)([18]).
والله تعالى أعلم.
([1]) الفتاوى الهندية ج1 ص٩١٥.
([2]) أخرجه الإمام مالك في كتاب الطلاق، باب ما جاء في الخلع، موطأ الإمام مالك، رواية يحيى الليثي ص384، برقم (٠٩١١)، قال ابن عبد البر في الاستذكار (5/80): ثابت.
([3]) أخرجه البخاري في كتاب الطلاق، باب الخلع وكيف الطلاق فيه؟ فتح الباري ج9 ص306-307، برقم (٣٧٢٥)، و(٦٧٢٥).
([4]) البناية شرح الهداية للعيني ج5 ص506-508، وبدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني ج3 ص151-153، والفتاوى الهندية ج1 ص519-521.
([5]) جامع الأحكام الفقهية للإمام القرطبي من تفسيره ج2 ص304-305، وعقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة لابن شاس ج2 ص137-146.
([6]) المهذب في فقه الإمام الشافعي للإمام الشيرازي ج2 ص70-73، وكتاب الوجيز في فقه الإمام الشافعي للغزالي ج2 ص ٤١ – ٤٥.
([7]) المغني للإمام ابن قدامة ج10 ص٧٦٢ – ٨٦٢، وكتاب الفروع لابن مفلح ج5 ص343-348
([8]) جامع الأحكام الفقهية للإمام القرطبي من تفسيره ج2 ص305.
([9]) أخرجه أبو داود في كتاب الطلاق، باب الخلع، ج2 ص244، برقم (٦٢٢٢)، صححه السيوطي في الجامع الصغير، (٢٨٢٩).
([10]) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ج2 ص414، وأخرجه الترمذي في كتاب الطلاق، باب في المختلعات ج3 ص492، برقم (٦٨١١)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ج1 ص349، برقم (٧٤٩).
([12]) فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر ج9 ص313.
([13]) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج6 ص177، وزاد المعاد لابن القيم ج5 ص12، وأخرجه عبدالرزاق في مصنفه، ج6 ص512، برقم (٣٨١١). وفي رواية: ” حديث عليّ: أنه بعثَ حكمينِ، فقال: تدريانِ ما عليكُما، إن رأيتما أن تجمّعا فجمّعا، وإن رأيتُما أن تفرّقا ففرّقا، فقالت الزوجةُ: رضيتُ بما في كتابِ اللهِ تعالى على وليّ، فقال الرجلُ: أما الفرقَة فلا، قال عليّ: كذبتَ لا واللهِ حتى تقرّ بمثلِ الذي أقررتْ بهِ ” قال ابن حجر العسقلاني في التلخيص الحبير، (٣/١٢٤٠): إسناده صحيح.
([14]) تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج1 ص467، وزاد المعاد ج5 ص12، وأخرجه عبدالرزاق في مصنفه، ج6 ص512، برقم (٥٨١١)، قال شعيب الأرنؤوط في تخريج زاد المعاد (5/173): رجاله ثقات.
([15]) أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب الوصية بالنساء بدون زيادة (فإنهن عندكم عوان)، فتح الباري ج9 ص161، برقم (١٨٦)، وأخرجه الترمذي في كتاب النكاح، باب ما جاء في حق المرأة على زوجها ج3 ص467، برقم ( (٣٦١١)، وأخرجه ابن ماجه في كتاب النكاح، باب حق المرأة على الزوج واللفظ له، سنن ابن ماجه ج1 ص594، برقم (١٥٨١)
([16]) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، صحيح مسلم بشرح النووي ج10 ص6592، برقم (٧٧٥٢).
([17]) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، صحيح مسلم بشرح النووي ج10 ص6593، برقم (٨٧٥٢).
([18]) صحيح سنن ابن ماجه للألباني ج1 ص334، برقم (٨٠٦١) صححه الألباني في صحيح ابن ماجه، (١٦٢١).