سؤال من الأخ أبي عبد الله من الأردن، يقول: هل الأصل للرجل الزواج من واحدة أم التعدد؟

هل الأصل للرجل الزواج من واحدة أم التعدد

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فقد ذكر الله -عز وجل- مسألة التعدد في آية من كتابه في قوله – تعالى-: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا) (النساء: ٣)، فقد روى عروة بن الزبير عن عائشة -رضي الله عنها- في تفسير هذه الآية قَالَتْ: يا ابْنَ أُخْتي اليَتِيمَةُ، تَكُونُ في حَجْرِ ولِيِّهَا فَيَرْغَبُ في مَالِهَا وجَمَالِهَا، يُرِيدُ أنْ يَتَزَوَّجَهَا بأَدْنَى مِن سُنَّةِ صَدَاقِهَا، فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوهُنَّ إلَّا أنْ يُقْسِطُوا لهنَّ، فيُكْمِلُوا الصَّدَاقَ، وأُمِرُوا بنِكَاحِ مَن سِوَاهُنَّ مِنَ النِّسَاءِ. وأما قوله -عز وجل-: (فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ)([1]) فالمراد إن خفتم ألا تقسطوا في مولياتكم من اليتامى، فتزوجوا من غيرهن إما زوجتين أو ثلاث زوجات أو أربع وليس المراد من الآية الزواج بأكثر من أربع، فمن قال بغير ذلك فقد ساء فهمه، وضل الطريق الصحيح.

وقد ذكر الإمام الشافعي أن معنى الآية فانكحوا واحدة إن خفتم أن يكثر عيالكم أقرب إلى أن تنتفي عنكم كثرة العيال، وقال أصحابه لو كان المراد بالعول الميل لم تكن له فائدة؛ لأن الميل لا يختلف بكثرة عدد النساء وقلتهن، وإنما يختلف بالقيام بحقوق النساء، فإنهن إذا كثرن تكاثرت الحقوق([2])، وأقول: قد لا يكون مراد الله -عز وجل- نفي كثرة العيال؛ لأن من خلق الخلق تكفل بأرزاقهم، فلا يأمر عباده أن يقللوا من نسلهم وهو الخالق أصلًا لهذا النسل، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو الذي بلغ رسالته قال – عليه الصلاة والسلام-: “تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة”([3])، وقوله -عليه الصلاة والسلام-: (النِّكَاحُ من سُنَّتِي فمَنْ لمْ يَعْمَلْ بِسُنَّتِي فَليسَ مِنِّي، وتَزَوَّجُوا؛ فإني مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ، ومَنْ كان ذَا طَوْلٍ فَلْيَنْكِحْ)([4]).

هذا في العموم، أما في سؤال الأخ، فإن الله -عز وجل- بدأ في الآية بالتعدد وهو الاثنتان أو الثلاث أو الأربع، ثم بدأ بالاستثناء وهو الواحدة في قوله – تعالى-: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً)، فيكون الأصل البدء بما بدأ الله -تعالى- به وهو التعدد، فإن كان الرجل لا يستطيع أن يعدل بين نسائه أو لا يستطيع أن يقوم بحاجتهن وضروراتهن في المسكن والعيش ونحو ذلك مما توجبه حقوقهن فلا يجوز له حينئذٍ التعدد، بل عليه أن يكتفي بواحدة.

والله – تعالى- أعلم.

[1] أخرجه البخاري برقم(2494).

[2] تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج2 ص 77.

[3] أخرجه أبو داود (2050) واللفظ له، والنسائي (3227)، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود:” حسن صحيح” رقمه (2050).

[4] أخرجه ابن ماجه (1846) واللفظ له، والديلمي في ((الفردوس)) (6920) مختصرًا، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم (2383).