والجواب: إن غالب مذاهب الأئمة الأربعة تدل على أنه مستحب.
ففي مذهب الإمام أبي حنيفة: أنه يسن([1]).
وفي مذهب الإمام مالك: أنه واجب([2]).
وفي مذهب الإمام الشافعي: أنه سنة وليس بواجب([3]).
وفي مذهب الإمام أحمد: أنه مستحب، وأوجبه شيخ الإسلام ابن تيمية على من به عرق أو ريح يتأذى به الناس([4]).
وفي المذهب الظاهري: يعد فرضًا لازمًا لكل بالغ من الرجال والنساء([5]).
والسبب في تباين آراء الفقهاء الأحاديث التي وردت في مسألة الغسل ليوم الجمعة؛ فالذين قالوا بأنه مستحب أو أنه سنة استدلوا بحديث سمرة بن جندب -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: (من توضأ فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل)([6]). وكذلك حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: ‹‹ كان الناس مهنة أنفسهم، وكانوا إذا راحوا إلى الجمعة راحوا في هيئتهم فقيل لهم لو اغتسلتم››([7]). واستدلوا كذلك بما رواه عكرمة أن أناسًا من العراق جاؤوا فقالوا: يا ابن عباس أترى الغسل يوم الجمعة واجبًا؟ فقال: لا، ولكنه طهر وخير لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس بواجب، وسأخبرهم كيف بدأ الغسل. كان الناس مجهودين يلبسون الصوف ويحملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيقًا مقارب السقف، إنما هو عريش، فخرج رسول الله ﷺ في يوم حار وعرِق الناس في ذلك الصوف، حتى ثارت منهم رياح آذى بذلك بعضهم بعضًا، فلما وجد رسول الله ﷺ تلك الريح قال: (أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا وليمس أحدكم أفضل ما يجد من دهنه وطيبه). قال ابن عباس: ثم جاء الله بالخير ولبسوا غير الصوف وكفوا العمل ووسع مسجدهم، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضًا من العرق([8]).
ونقل الخطابي وغيره الإجماع على أن صلاة الجمعة بدون الغسل مجزئة، وحكى الطبري عن قوم أنهم قالوا بوجوبه ولم يقولوا إنه شرط بل هو واجب مستقل تصح الصلاة بدونه، كأن أصله قصد التنظيف وإزالة الروائح الكريهة التي يتأذى بها الحاضرون من الملائكة والناس([9]).
وأما الذين قالوا بالوجوب فقد استدلوا بما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم)([10]). وما رواه عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله ﷺ قال: (إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل)([11]). وما روته عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله ﷺ كان يغتسل من أربع: من الجنابة ويوم الجمعة، ومن الحجامة، وغسل الميت([12]). وما روي أيضًا أن عمر بن الخطاب بينما هو قائم في الخطبة يوم الجمعة إذ دخل رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب رسول الله ﷺ فناداه عمر: أية ساعة هذه؟ قال: إني شُغِلْتُ فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين، فلم أزد أن توضأت. فقال: والوضوء أيضًا، وقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل([13]).
قلت: فإذا قيل بأن غسل الجمعة مسنون، أو مستحب فلا إثم على من تركه. أما إذا قيل بوجوبه فيأثم من يتركه، ولعل القول بالوجوب يكون أقرب لمن به رائحة كحال بعض العمال، والوجوب يقتضي التكليف، ولا شك أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع لما فيه من الفضل، والاستجابة للدعاء لقول رسول الله ﷺ: (إن فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله تعالى شيئًا إلا أعطاه إياه)([14]). والإسلام دين يحث على النظافة، واجتناب الروائح التي تؤذي الآخرين كما هو الحال في الثوم والبصل ونحوهما؛ فكون المسلم يتطهر في يوم الجمعة بأشد أنواع الطهارة، وهو الغسل فلا شك أن له فيه أجرًا كبيرًا؛ لأنه بذلك يمنع احتمال ما قد يكون فيه من روائح يتأذى منها المصلون.
أما قول الإمام ابن حزم بوجوب الغسل على النساء يوم الجمعة، فلعل الصواب أن المقصود بالغسل الرجال لكونهم يخرجون إلى الجمعة. أما النساء فلا تجب عليهن الجمعة.
وخلاصة المسألة: إن آراء الفقهاء تباينت في مسألة الغسل يوم الجمعة، أهو واجب أم مستحب؟ وغالب مذاهب الأئمة الأربعة أنه سنة أو مستحب، والسبب في تباين آرائهم تعارض الآثار التي وردت عن رسول الله ﷺ في ذلك، ويرى الإمام ابن حزم في المذهب الظاهري أنه فرض لازم على الرجال والنساء.
ولعل الأقرب إلى الصواب -والله أعلم- أنه واجب على من به رائحة.
ولا شك أن يوم الجمعة هو أفضل أيام الأسبوع لما فيه من الفضل، والاستجابة للدعاء؛ والإسلام دين يحث على النظافة، واجتناب الروائح التي تؤذي الآخرين كما هو الحال في الثوم والبصل، فكون المسلم يتطهر في يوم الجمعة بأقوى أنواع الطهارة وهو الغسل، لاشك أن له فيه أجرًا كبيرًا. أما قول الإمام ابن حزم بوجوب الغسل يوم الجمعة على النساء، فلعل الصواب أن المقصود بالغسل الرجال وليس النساء لأنه ليس عليهن جمعة.
والله أعلم.
([1]) حاشية رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين، ج1 ص168-169، والفتاوى الهندية، ج1 ص18.
([2]) بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد، ج1 ص164، وانظر التمهيد لابن عبد البر، ج4 ص35.
([3]) الحاوي الكبير للماوردي، ج1 ص455.
([4]) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد، ج2 ص407، 447.
([5]) المحلى بالآثار للإمام ابن حزم، ج1 ص255-268.
([6]) أخرجه الترمذي في أبواب الصلاة، باب ما جاء في الوضوء يوم الجمعة، سنن الترمذي، ج2 ص369، برقم (497)، صححه الألباني في صحيح الترمذي، (٤٩٧).
([7]) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس، فتح الباري، ج2 ص449، برقم (903).
([8]) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في الرخصة في ترك غسل يوم الجمعة، سنن أبي داود، ج1 ص97، برقم (354)، حسنه الألباني في صحيح أبي داود، (٣٥٣).
([9]) فتح الباري بشرح صحيح الإمام البخاري، للحافظ ابن حجر العسقلاني، ج2 ص421.
([10]) أخرجه البخاري، (٢٦٦٥)، وأخرجه مسلم (٨٤٦)، أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في غسل يوم الجمعة، سنن أبي داود، ج1 ص94، برقم (341).
([11]) أخرجه البخاري (٨٧٧)، وأخرجه مسلم (٨٤٤)، أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في الغسل يوم الجمعة، سنن أبي داود، ج1 ص96، برقم (348).
([12]) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، باب فضل الغسل يوم الجمعة، فتح الباري، ج2 ص415، برقم (877).
([13]) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، باب فضل الغسل يوم الجمعة، فتح الباري، ج2 ص415، برقم (878).
([14]) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، باب الساعة التي في يوم الجمعة، فتح الباري، ج2 ص482، برقم (935).