الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا ورسولنا محمد، أما بعد،
فإن مهمة الوالدين تجاه أولادهم مهمة طويلة، فالعلاقة بين الولد ووالديه لا تتوقف عند سن معينة، فالوالدان يحبان ولدهما سواء كان كبيرًا أو صغيرًا، وهذه المحبة تفرض عليهما الاهتمام به بمعنى أن الوالدين يريدان أن يكون أولادهم على المنهج الذي ربوه عليه، فيسألان عن حال الولد، وما هو عليه، فإن كان الأولاد على ما تربوا عليه، فرحوا بذلك، وإن كانوا على العكس من ذلك سألوا الله لهم الهداية، والسير على الطريق المستقيم الذي أمر الله باتباعه، وهو صراط الله المستقيم في قوله عز وجل: (وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (الأنعام:153).
لقد تجلت مهمة الوالدين لولدهما قصة والد زيد بن حارثة رضي الله عنه([1])، حين ذهب والده من الشام إلى المدينة، يسأل عن ابنه زيد وكان يقول:
بَكَيْتُ عَلَى زَيْدٍ وَلَمْ أَدْرِ مَا فَعَلْ … أَحَيٌّ فَيُرْجَى أَمْ أَتَى دونه الْأَجَل
فو الله مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَسَائِلٌ … أَغَالَكَ بَعْدِي السَّهْلُ أَمْ غَالَكَ الْجَبَلْ
وَيَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ لَكَ الدَّهْرُ أَوْبَةٌ … فَحَسْبِي مِنْ الدُّنْيَا رُجُوعُكَ لِي بَجَلْ
تُذَكِّرْنِيهِ الشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِهَا … وَتَعْرِضُ ذِكْرَاهُ إذَا غَرْبُهَا أَفَلْ
وَإِنْ هَبَّتْ الْأَرْوَاحُ هَيَّجْنَ ذِكْرَهُ … فَيَا طُولَ مَا حُزْنِي عَلَيْهِ وَمَا وَجَلْ
سَأُعْمِلُ نَصَّ الْعِيسِ فِي الْأَرْضِ جَاهِدًا … وَلَا أُسْأَمُ التَّطْوَافَ أَوْ تَسْأَمُ الْإِبِلْ
حَيَاتِي أَوْ تَأْتِي عَلَيَّ مَنِيَّتِي … فَكُلُّ امْرِئٍ فَانٍ وَإِنْ غَرَّهُ الْأَمَلُ([2]).
فالحاصل: أن مهمة الوالدين لا تتوقف عند سن معينة لأولادهم؛ لأنها علاقة عضوية تمتد إلى الآخرة، فالله عز وجل بين أن الأولاد يتبعون آباءهم يوم القيامة بقوله تقدس اسمه: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ۚ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) (الطور:21).
والله تعالى أعلم
[1] هو زيد بن حارثة بن شرحيل بن عبد العزى بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان يعدُّ زيدُ بن حارثة صحابيًا من صحابة رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-، وقد لقِّب بحبِّ رسول الله يرجع أصلُ الصحابيّ الجليل زيد بن حارثة إلى بلادِ الشامِ وكان من أوائلِ من دعاهم النبيُّ إلى دينِ التوحيدِ، وبالفعلِ استجابَ زيدٌ لدعوةِ رسول الله، فكانَ في العموم ثالث من أسلم؛ حيث أسلم بعد خديجة وعليّ بن أبي طالب -رضيَ الله عنهما-، أمَّا على وجه الخصوص فقد كان أوَّل من أسلمَ من الموالي أرسل رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- الحارث بن عمير الأزدي إلى ملك بُصرى، وحين وصل إلى أرض مؤتة قتله شُرحبيل بن عمرو، فاشتدَّ ذلك على رسول الله، فأرسلَ جيشًا؛ لدعوة أهلها إلى الاسلام، فإن أَبَوا أمرهم بقتالهم، وأمَّر عليهم زيد بن حارثة، وقد لقيَ زيد نحبه في هذه الغزوة طعنًا، وكان ذلك في جمادى الأولى من السنةِ الثامنة للهجرة، ينظر: موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام (الطبعة 1)، صفحة 309، جزء 8. بتصرّف.
[2] صفوة الصفوة لابن الجوزي ج1ص 143.