الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا ورسولنا محمد، أما بعد:
فظاهر السؤال عمن طلق زوجته بكلمة واحدة فيقول لها أنت طالق بالثلاث، وما إذا كان هذا الطلاق ينفذ فتبين منه زوجته فلا تحل له إلا بعد نكاح زوج آخر، أم أن هذا اللفظ يعد طلقة واحدة، فيرجع إليها.
وفي مقدمة الجواب أقول: أن بعض الأزواج يستغل قوامته على المرأة فيتصرف معها تصرفا يندم عليه حين يطلقها بالثلاث، ولا يدري أن طلاقه هذا بدعة، والبدعة ضلالة، فهذا الطلاق مما حرمه الله في حديث محمود بن لبيد -رضي الله عنه- قال: أُخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا فغضب وقال: “أيلعب بكتاب الله عز وجل وأنا بين أظهركم”([1])، وروى أن رجلا قال لعثمان -رضي الله عنه-: إني طلقت امرأتي مائة، فقال: “ثلاث يحرمنها وسبعة وتسعون عدوان”([2]).
أما الجواب على السؤال فإن طوائف من العلماء اختلفوا في هذه المسألة: فمنهم من قال بأن هذا الطلاق ينفذ، فتبين الزوجة من زوجها، ولا تحل له إلا بعد أن ينكحها زوج آخر([3]).
ومنهم من قال بأن هذا الطلاق يعد طلقة واحدة، واستشهد بما كان عليه الحال في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعهد أبي بكر وأول خلافة عمر -رضي الله عنهم- وقال بهذا القول عدد من الصحابة ومنهم ابن عباس رضي الله عنهم([4])، ومن أتى بعد هم مثل شيخ الإسلام ابن تيمة([5])، وابن القيم([6])، وأفتى به أيضا سماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمهم الله([7]).
قلت: ويتداخل في هذه المسألة أمران:
الأمر الأول: إن كانت في نيته من التلفظ بالطلاق طلقة واحدة، فهو على نيته، فيحق له مراجعتها، والأصل في هذا أن النية تحكم تصرف المسلم، لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)([8])، فيصدق قوله وحسابه على الله، والشاهد فيه أيضا حديث ركانة بن عبد يزيد أنه طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فجاء إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال إنما هي واحدة، فردها عليه، وفي لفظ آخر: أن ركانة طلق امرأته سهيمة ثم أتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال يا رسول الله إني طلقت امرأتي سهيمة البتة، والله ما أردت إلا واحدة فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والله ما أردت إلا واحدة؟ فقال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة فردها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عليه)([9]).
الأمر الثاني: إذا كان الأمر قد وصل إلى الحاكم الشرعي، وحكم فيه فحكمه ينفذ رفعا للخلاف.
فالحاصل جوابا على سؤال الأخت أن الصواب والله أعلم أن تلفظ الزوج لزوجته الطلاق بالثلاث في مجلس واحد يعد طلقة واحدة، يحق له مراجعتها، وهذا هو الرأي الراجح.
والله تعالى أعلم
[1] أخرجه النسائي 6/ 143 – 144، وقال ابن التركماني في الجوهر النقي 7/ 333: إسناده صحيح. وقال ابن حجر في الفتح 9/ 362: رجاله ثقات.
[2] زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم ج5 ص 226- 248، والمجموع شرح المذهب للنووي ج17 ص 84.
[3] البيانة شرح الهداية للعيني 5/284و المدونة الكبرى للإمام مالك 2/5 والمجموع شرح المهذب للنووي 17/85 والكافي في فقه الإمام أحمد لابن قدامة 3/108.
[4] الفتاوى الكبرى لابن تيمية ج3 ص 225، والمحلى بالآثار ج9 ص 386.
[5] الفتاوى الكبرى لابن تيمية ج3 ص 225.
[6] زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم ج5 ص 226- 248.
[7]مجموع فتاوى ابن باز ج 21 ص 305 ويُنظر: فتاوى نور على الدرب) لابن باز ج21/ص 477.
[8] – أخرجه البخاري برقم (1).
[9] – أخرجه أبوداود برقم: (2206)، حسن إسناده شعيب الأرنؤوط في تخريج سنن أبي داود، (٢٢٠٦).