الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا ورسولنا محمد، أما بعد:
فالوسوسة مرض قد يبتلى به العبد، وقد أمر الله نبيه ورسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- وهو أمر لأمته التعوذ من الوسواس في قوله عز ذكره: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَٰهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) (الناس:1-6)، والوسوسة على عدة أقسام: فقد يوسوس العبد في طهارته فيظن أنه لم يتطهر وقد يوسوس بينه وبين نفسه فينطق أقوالا لا يفهم منها مراده، فقط يظن أنه يقصد طلاق زوجته وقد تكون وسوسته على وجوه:
الوجه الأول: أن تكون الوسوسة غالبة عليه فهو لا يدرك تصرفه، مثله في ذلك مثل من به جنون أو خبل، فهذا لا يقع طلاقه؛ لأنه مثل المجنون الذي لا يدري تصرفه.
الوجه الثاني: أن ينغلق عليه لفظه فلا يدرك ما قال، فهذا لا يقع طلاقه لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما روته عائشة -رضي الله عنها-: (لا طلَاقَ ولا عِتاقَ في إِغلاقٍ)([1]).
الوجه الثالث: أن تكون الوسوسة غير غالبة عليه فيدرك تصرفه حينا، وقد لا يدركه حينا آخر، فهذا أيضا لا يقع طلاقه، ما لم تكن هناك قرينة أو قرائن واضحة تدل على إدراكه، كقوله حين ذهاب الوسوسة طلقت زوجتي فهذا يقع طلاقه.
فالحاصل: أن الوسوسة مرض فإن كان الوسواس يغلب عليه، حيث إنه لا يدرك تصرفه فهو كالمجنون لا يقع طلاقه، أما إن كان الوسواس يتقطع عنه، ويدرك تصرفه في بعض الوقت وتدل القرائن على هذا الإدراك فيقع طلاقه.
والله تعالى أعلم.
[1] -صحيح سنن أبي داود الرقم: 2193 وقال الألباني: حسن، صححه السيوطي في الجامع الصغير، (٩٨٨٦)..