الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن بعض الأزواج -هداهم الله- لا يبالي بالآثار التي تواجهها زوجته بعد طلاقه لها، وما تحدثه هذه الآثار من أمراض نفسية وعضوية خاصة إذا لم ترتكب خطأ تجاه زوجها في ماله أو في عرضه، ومن المؤسف أن هؤلاء قد يستغلون زوجاتهم فيأخذون رواتبهن أو بعضها، ويزعمون أن ذلك لشراء مسكن لهم ونحو ذلك من المغريات التي تنخدع بها الزوجة، ثم تكتشف بعد طلاقها أن زوجها خدعها فأخذ منها ولم يعطها حقها، هذه صورة مما تشتكي منه بعض النساء المطلقات، كما أشارت إليه الأخت في السؤال عن إسهامها في بناء البيت وتجهيزه، ففي هذه المسألة وجهان:
الوجه الأول: أن إسهام الزوجة مع زوجها في بناء البيت وتجهيزه حق لها؛ لأنها لم تعد تسكن فيه، فإذا لم يعد لها الزوج إسهامها، فالواجب عليه رده إليها؛ لأنه حق ترتب في ذمته، والحكم فيه قول الله -عز وجل- قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ) [النساء: ٢٩]، والحق عهد على صاحبه، ففيه قال الله -عز وجل-: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) [الإسراء: ٣٤].
الوجه الثاني: أن للمطلقة – أي مطلقة – حقًّا على مطلقها، فالمعلوم أن المطلقة -أيًا كانت- تتأثر بالطلاق فتفقد السكن وتفقد النفقة وتفقد أنس الزوج ورعايته، وقد تفقد الزواج وإنجاب الذرية، فهي في كل الأحوال تواجه معاناة الطلاق، فلا بد لها على الأقل من شيء يخفف وطأة الطلاق عليها؛ فلهذا قال الله -عز وجل-: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) [البقرة: ٢٤١]، فخصها بالإمتاع وجعله حقًّا على المتقين.
فالواجب على أي زوج طلق زوجته أن يمتعها بما يستطيعه؛ لأن ذلك من أخلاق المتقين.
فالحاصل أن للمطلقة – أي مطلقة – استرداد ما أسهمت به مع زوجها في أي أمر دنيوي، كما هو حال الأخت في السؤال، وعلى الزوج أن يتقي الله في ذلك، فلا يبخسها حقها، ففي هذا قال الله -جل في علاه-: (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) [هود: ٨٥]، كما أن على المطلق لزوجته واجبًا أخلاقيًا ودينيًا أن يمتع طليقته بشيء من أمور الدنيا؛ لأن هذا من صفات المتقين.
والله – تعالى- أعلم.