الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا ورسولنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فالأصل أن كل مال مغصوب وما في حكمه يعد حرامًا على غاصبه، فقد حرم الله الغصب وحرم الربا وكل مال غيـر مشروع، وقد سمى الله هذا المال من الخبائث في قوله -جل في علاه- (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ)(الأعراف:157). وسماه سـحتًا، وبعد أن ذكر الذين يحرفون الكلم عن مواضعه ويكذبون علـى الله، وأنه لن يطهر قلوبهم قال : (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسّـُحْتِ)(المائدة:42)،وفيه قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (إنَّهُ لا يربو لحمٌ نبتَ من سحتٍ إلَّا كانتِ النَّارُ أولى بِهِ)([1]). وقوله -عليه الصلاة والسلام- (مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الأرْضِ ظُلْمًا، طَوَّقَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ يَومَ القِيَامَةِ مِن سَبْعِ أَرَضِينَ)([2]).
هذا في عموم المسألة، أما عن سؤال الأخت وما إذا كان يجوز لورثة الميت الذي ماله حرام أن يرثوه فهذا فيه تفصيل؛ فإن كان الورثة يعلمون مصدر مال مورثهم، ويعلمون أن هذا المال حرام فلا يجوز لأي منهم إرث هذا المال؛ لأن الأصل أن كل حرام لا يطيبه الموت، ولا انتقاله من يد إلى يد.
وعلى الورثة في ذلك رد كل مال مغتصب إلى صاحبه إن علموه، فإن لم يعلموا صاحبه تصدقوا به في حوائج المسلمين.
أما إذا كان الورثة لا يعلمون عن مصدر المال الحرام، ولم يبلغهم أحد عن هذا المصدر وأصله فيرثونه، وإثمه على مورثهم.
فإن كان الورثة يعلمون أن في مال مورثهم شبهة من حرام وجب عليهم التحقق عنه، فيرثون ما هو طيب ويتصدقون بما فيه شبهة؛ برًّا لوالديهم؛ لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (إنَّ الحلالَ بيِّنٌ وإنَّ الحرامَ بيِّنٌ وبينهما أمورٌ مُشتبِهاتٌ لا يعلمهنَّ كثيـرٌ من الناس، فمنِ اتَّقى الشُّبُهاتِ استبرأ لدِينِه وعِرضِه ، ومن وقع في الشُّبهاتِ وقع في الحرامِ، كالراعي يرعى حول الحِمى يوشكُ أن يرتعَ فيه، ألا وإنَّ لكلِّ ملكٍ حمًى ، ألا وإنَّ حمى اللهِ محارمُه)([3]).
فالحاصل جوابًا عن سؤال الأخت أنه يحرم الإرث من المال المغتصب؛ فالموت لا يحلل الحرام، وعلى الورثة في ذلك أن يتقوا الله ويبـروا بمورثهم، فيـردوا ما اغتصبه، إذا كانوا يعلمون أصحاب المال المغتصب، فإن لم يعلموهم تصدقوا بهذا المال في حوائج المسلمين، وعسى الله أن يعفو عن مورثهم. والله -تعالى- أعلم .
[1] – صحيح سنن الترمذي للألباني : ورقمه ( 614 ) وقال : صحيح
[2] – أخرجه مسلم برقم 🙁 1610)
[3] -أخرجه البخاري (52)، ومسلم (1599) واللفظ له.