الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه الأمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فالأصل في الشرع إعلان الزواج وإشهاره بين جمع من الناس، كإعلانه في المساجد ليكون معلومًا للناس أن زوجًا وزوجته قد عقدا الزواج بينهما، فأصبحا زوجين معروفين لمن حولهما من أقاربهما وجيرانهما ومن حولهما من الناس، على أن لا يكون في هذا الإعلان تفاخر أو مباهاة أو إسراف.
والأصل في ذلك حديث عائشة -رضي الله عنها-أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-قال: “أعلنوا هذا النِّكاحَ واجعلوهُ في المساجِدِ واضربوا عليهِ بالدُّفوفِ”([1])، وفي حديث يحيى بن سليم قال: قلت لمحمد بن حاطب: تزوجت امرأتين ما كان في واحدة منهما صوت – يعني دفًّا – فقال محمد -رضي الله عنه-: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “فُصِلَ ما بين الحلالِ والحرامِ ضرْبُ الدفِّ والصوتُ في النكاحِ”([2])، ومثل الدف في الأعراس الغناء فيها، على ألا يكون هذا الغناء مما يخدش الحياء، أو يثير الغرائز بالألفاظ الساقطة المنافية للأخلاق.
وشاهد الإباحة للغناء في الأعراس أن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- زفت الفارعة بنت أسعد وسارت معها في عرسها إلى بيت زوجها نبيط الأنصاري، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “يا عائِشَةُ، ما كانَ معكُمْ لَهْوٌ؟ فإنَّ الأنْصارَ يُعْجِبُهُمُ اللهو”([3])، وشاهده أيضًا ما ذكره عامر بن سعد -رضي الله عنه- قال: دخَلتُ على قَرَظةَ بنِ كعبٍ، وأبي مَسعودٍ الأنصاريِّ في عُرسٍ، وإذا جَوارٍ يُغنِّينَ! فقُلتُ: أنتُما صاحِبا رسولِ اللهِ، ومن أهلِ بدرٍ، يفعَلُ هذا عندَكُم؟ فقالَ: اجلِس إنْ شئتَ، فاسمَع معَنا، وإنْ شِئتَ اذهبْ، قَد رخَّصَ لنا في اللَّهوِ عندَ العُرسِ([4]). هذا هو الجواز بالدف والغناء في الأعراس، ولكن هذه الإباحة هي للنساء، فلا يجوز لهن الاختلاط بالرجال، سواء في الدف أو الغناء، وفي كل ما يتعلق باجتماع النساء في الزواج.
والله -تعالى- أعلم.
[1] صحيح سنن ابن ماجه(1549)، ضعفه الألباني في ضعيف الجامع، (٩٦٦).
[2] صحيح سنن ابن ماجه(1550)، حسنه الألباني في صحيح الجامع، (٤٢٠٦).
[3] أخرجه البخاري برقم (5162).
[4] صحيح سنن النسائي (3383)، حسنه الألباني في صحيح النسائي، (٣٣٨٣).