الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا ورسولنا محمد، أما بعد:
فالأصل أن الطلاق بيد الزوج، وعامة أهل العلم على ذلك من الحنفية([1])، والمالكية([2])، والشافعية([3])، والحنابلة([4])، فقالوا بأن الأمر بالإشهاد في الآية للندب والاستحباب، إلا أن بعضًا منهم يرى خلاف ذلك؛ بناء على أن الله –عز وجل- قال في محكم كتابه: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ) (الطلاق:2)، وهذا يشمل الطلاق، وروي عن بعض الصحابة والتابعين وجوب الإشهاد على الطلاق، ومنهم عمران بن حصين -رضي الله عنه- وهو مذهب الظاهرية([5]).
قلت: والإشهاد على الطلاق هو الصواب -والله أعلم- وذلك لأمرين:
الأمر الأول: إن الله -عز وجل- أمر به والأمر يقتضي الوجوب، وذلك في قوله -عز ذكره- (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ) (الطلاق:2)، فجاء هذا الأمر في حال الإمساك أو الفراق، مما يدل على الوجوب.
والأمر الثاني: أن الغاية من الإشهاد على الطلاق تحقيق التوثيق؛ لحماية حقوق الزوجين أو أحدهما، وحفظًا لحقوق أولادهما إذا كان لهما ولد، فإذا غاب التوثيق أمكن الإنكار وضياع الحقوق، ولأهمية الحفاظ على الحقوق جعل الله للدين وسيلة أخرى هي الكتابة، في قوله -عز وجل-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ) (البقرة:282)، فتوثيق الحقوق سواء بالإشهاد أو الكتابة مما يوجبه شرع الله، وما تقتضيه الضرورة في هذا الزمان، الذي تشعبت فيه الوسائل وكثر فيه الخطأ في المعاملات بين العباد.
هذا في عموم المسألة، أما عن سؤال الأخت فتجوز الشهادة على الطلاق والرجعة من المأذون أو من غيره، كما يجوز كتابة الطلاق لدى القضاء، وهو الجاري في معظم بلاد المسلمين وغيرهم.
والله -تعالى- أعلم
[1] تبيين الحقائق للزيلعي (2/252)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (4/162.
[2] الكافي في فقه أهل المدينة لابن عبد البر (2/574)، والتاج والإكليل للمواق (4/105)
[3] تحفة المحتاج لابن حجر الهيتمي (8/148)، ونهاية المحتاج للرملي (7/58).
[4] الكافي لابن قدامة (4/270)، و كشاف القناع للبهوتي (5/342). ويُنظر: ((المحرر)) لأبي البركات (2/244)، الشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة (8/473).
[5] المحلى بالآثار لابن حزم ج5 ص 48.