الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا ورسولنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فظاهر السؤال عما إذا كان للمرأة طلب الطلاق لكون زوجها عقيمًا.
والجواب عن هذا من وجهين:
الوجه الأول: العقم من قدر الله، كما قال -عز ذكره- (يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ،أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا، وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) (الشورى:49-50)، وهو أن من ابتلاء الله لعبد من عباده، ليـرى ما سيكون عليه من القبول و الرضا أو السـخط، وقد يكون في العقم خيـر كثيـر والعبد وهو لا يدري؛ لأن الله لطيف بعباده، كما قال -عز وجل- (الله لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) (الشورى:19)، والمعنـى أن الله -جل في علاه- لم يبتلِ هذا العبد بالعقم إلا وهو يعلم بما يكون عليه حال الولد، فقد كان ابن نبـي الله نوح -عليه السلام- شرًّا لأبيه بسبب كفره، فقد دعاه إلى الركوب في السفينة ليكون مع أهله الصالحين، فأبى إلا أن يكون مع الكافرين، ولما نادى نوح ربه بأن ابنه من أهله أجابه -عز وجل- بأن ابنه ليس من أهله، وأنه عمل غيـر صالح، وحذره بأن لا يكون مع الجاهلين الذين لا يعرفون حكمة الله في خلقه، والشاهد في هذا قوله -تعالى-: (وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِـي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (هود:45-46).
فدل هذا على أن الولد قد يكون شرًّا وخسرانًا لأهله، وأن ابتلاء الله للعبد بالعقم خير له من ولد قد يكون خطرًا على أهله.
فقد يقتل أباه أو أمه أو إخوته، وقد يصيبهم بالفتن والمحن فيتمنون لو لم يكن لهم ولد. والشاهد في هذا الوجه أن العبد إذا ابتلي بالعقم عليه أن يرضى بما كتبه الله له، ويدعو الله أن يهبه الولد الصالح، فيكثـر من الاستغفار والدعاء، كما قال -عز وجل- على لسان نبيه نوح: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا) (نوح: 10-12)، وعلى العبد ألا ييأس من روح الله، فيبحث عن العلاج.
والوجه الثاني: أن للمرأة المصاب زوجها بالعقم الخيار، إما أن تستمر معه وترضى بما كتبه الله لها ولزوجها، وإما أن تطلب الطلاق؛ لأن العقم من مانع الإنجاب، والزوجة تريد الذرية، وهذه الإرادة من أسباب الزواج، ناهيك بأن الزواج من فطرة الله التـي فطر عليها خلقه في قوله -عز وجل- (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ) (الروم:20)، وقوله تعالى: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً) (النحل:72).
فالحاصل: أن الزوجة التـي تشتكي من عقم زوجها، لها الخيار إما أن تصبر وتستمر مع زوجها، وترجو الله أن يهب لها الذرية الصالحة، وإما أن تطلب الطلاق منه، والحاكم الشرعي يحكم في هذا، ويتبين له من حال الزوجين.
والله -تعالى- أعلم.