بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبعد:
فيجب أولًا على المرأة المطلقة العدة.
والعدة في اللغة: هي الإحصاء، وسميت بذلك لاشتمالها على العدد من الأقراء أو الأشهر، مأخوذة من العد([1]).
وفي الاصطلاح: اسم المدة التي تنتظر فيها المرأة لمعرفة ما إذا كان رحمها قد برئ من الحمل من زوجها([2]).
والأصل في وجوب العدة الكتاب والسنة والإجماع والمعقول:
أما الكتاب: فقول الله -عز وجل- في حق المطلقات عمومًا: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} [البقرة: 226]، وقوله في حق الآيسات من المحيض لكبرهن {وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ} [الطلاق: 4]، وقوله عز وجل في حق أولات الحمل: {وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]، وقوله -عز ذكره-: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234].
وأما وجوب العدة في السنة: ففي حديث أم عطية أن رسول الله ﷺ قال: (لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا)([3])، وقوله -عليه الصلاة والسلام- لفاطمة بنت قيس: (اعتدي في بيت ابن أم مكتوم)([4]).
وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة في سلفها وخلفها على وجوب العدة دون مخالف.
وأما المعقول: فإن من حقائق الحياة، وما خلقه الله فيها من الفطرة أن يستقل كل إنسان بنسبه، فابن زيد لزيد وابن عمر لعمر، ولكي يتحقق هذا المعيار يجب براءة رحم المرأة من زوجها، قبل أن تستعد لزوج آخر، فلو لم تجب العدة لاختلطت الأنساب.
ومدة العدة للمطلقة ثلاثة قروء، كما ورد النص على ذلك في القرآن الكريم، وهناك خلاف في معنى القرء، والراجح أن المراد به الحيض، فالعدة تظل قائمة إلى أن تحيض المرأة ثلاث حيض بعد الطلاق، ولو طلقها وهي حائض فلا يحتسب ذلك الطهر من العدة؛ لأن هذا الطلاق محرم أصلًا، وحال من وطئت بشبهة، وكذا حال المزني بها، كحال المطلقة في العدة؛ لأن المراد استبراء الرحم، وهذا الاستبراء لا يحصل إلا بعد حيضها ثلاث حيض كاملة.
ولا تجب العدة على المطلقة غير الممسوسة كالخطوبة، أو التي لم يدخل بها، وكل من لم تمس بنكاح أو ما في حكمه؛ لقول الله -عز وجل-: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} [الاحزاب: 49].
وفي حال العدة يجب على المطلقة، سواء كانت ذات رجعة أو بائنة عدم الخروج من بيتها إلا للضرورة، كزيارة أهلها أو قضاء حاجتها كالخروج للعمل، إذا كانت مثلًا موظفة ونحوها. والأصل في ذلك حديث جابر -رضي الله عنه- قال: طلقت خالتي ثلاثًا، فخرجت تجذ نخلها (أي تقطع ثمره)، فلقيها رجل، فنهاها عن ذلك، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال لها: اخرجي، فجذي نخلك، لعلك أن تتصدقي منه)([5])، ولا يجوز لزوجها إخراجها من بيتها، ما لم تكن قد ارتكبت إثمًا ظاهرًا؛ لقول الله -عز وجل-: {وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} [الطلاق: 1]، والحكمة من عدم خروج المطلقة من بيتها في حال العدة أن تكون قريبة من زوجها في حال الرجعية، لعله يراجعها، فوجودها أمامه في المنزل سبب لإرجاعه لها؛ لأن الإسلام يدعو إلى استمرار الزوجية ويكره الطلاق، أما المبتوتة، فوجودها في بيت الزوج حال العدة حالة مؤقتة إلى أن تنتهي العدة، ثم تستعد للزواج وتتدبر أمرها.
وللمطلقة ذات الرجعة النفقة والسكن، كما ذكر في حال انتظار للرجعة لزوجها، ولا خلاف في ذلك، أما البائنة فقد اختلف الفقهاء في أمرها، فعند الإمام أبي حنيفة يحق لها النفقة والمسكن مثل المطلقة ذات الرجعة؛ لأنها مكلفة بقضاء مدة العدة في بيت زوجها، فهي محتسبة لحقه عليها في بقائها في منزله، فتجب لها عندئذ النفقة([6]). ووجه الاستدلال حديث أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: (المطلقة ثلاثًا لها السكن والنفقة)([7])، ووجه الاستدلال أيضًا ما نقل عن الشعبي أنه قال: قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لما ذكر له حديث فاطمة بنت قيس الذي ذكر فيه أنه ﷺ قال: ليس لها نفقة: لا نترك كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ لقول امرأة، لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، لها السكن، والنفقة، سمعت رسول الله ﷺ يقول لها: السكن والنفقة، قال الله -عز وجل-: {وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ}([8]).
وعند الإمام مالك: للمبتوتة السكن، ولا نفقة لها، إلا أن تكون حاملًا. قال الإمام سمعت ابن شهاب يقول: لا تخرج المبتوتة من بيتها حتى تحل، وليس لها نفقة إلا إن تكون حاملًا، فينفق عليها حتى تضع حملها([9]).
وقال بمثل هذا الإمام الشافعي([10]).
وعند الإمام أحمد: لا نفقة لها ولا سكن؛ لحديث فاطمة بنت قيس، وتفصيله أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب، فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال: والله مالك علينا من شيء، فجاءت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: (ليس لك عليه نفقة…) الحديث([11]). وقيل: إن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت: ما لفاطمة بنت قيس خير في أن تذكر هذا الحديث([12]).
قلت: ولعل ما كان بين فاطمة بنت قيس وأهل زوجها من خلاف، وخروجها من بيت الزوجية قد أسقط حقها في النفقة، فهذه حالة خاصة بها، إن حق المبتوتة في النفقة والسكن حق خُلُقِي إلى كونه حقًّا شرعيًّا؛ فهي تقيم في بيت الزوجية، وقد لا تستطيع الحصول على ما يكفي لعيشها، وهو أمر مناطه الضرورة لحفظ النفس، فمن ذا الذي يستطيع الإنفاق عليها غير من هي محتبسة في بيته لحقه عليها؟ ولأن الله -عز وجل- أمر بإمتاعها، وجعل ذلك على المتقين، في قوله -عز ذكره-: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 241]، كما أنه -جل ثناؤه- أمر الزوجين بأن لا ينسيا ما كان بينهما من العشرة والولد والعلاقة مدة من الزمن، مما يستدعي منهما مراعاة ذلك، فمن هنا يقتضي الواجب الخلقي والشرعي: أن على الزوج إسكان مبتوتته والإنفاق عليها، وهو ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة، ورآه حقًّا واجبًا على الزوج.
وكما يجب للمطلقة ذات الرجعة والمبتوتة السكن والنفقة يجب كذلك للمطلقة الحامل، والأصل فيه قول الله -عز وجل- {وَإِن كُنَّ أُولاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 6]، وهذا يقتضي أن على الزوج إسكان مطلقته الحامل والإنفاق عليها، سواء كان طلاقه لها رجعيًّا أم مبتوتًا، وذلك مدة الحمل؛ لأنها محتسبة لحقه وحق حملها.
وخلاصة المسألة: أنه يجب على المطلقة ذات الرجعة أو البائنة العدة ثلاث حيض، وعدم الخروج من بيت زوجها إلا لضرورة تقتضيها الحال، كزيارة أهلها أو قضاء حاجاتها أو أداء عملها إذا كانت عاملة، كما يجب على زوجها عدم إخراجها من بيتها لقول الله -عز وجل-: {وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} [الطلاق: 1]، كما يجب عليه إسكانها والإنفاق عليها حتى تنتهي عدتها.
أما المطلقة الحامل فعدتها مدة حملها، وعلى زوجها إسكانها والإنفاق عليها، حتى تضع حملها.
والله -تعالى- أعلم.
([1]) لسان العرب مادة: «عد» ج8 ص91.
([2]) التعريفات للجرجاني ص153.
([3]) أخرجه مسلم في كتاب الطلاق، باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة وتحريمه في غير ذلك إلا ثلاثة أيام، صحيح مسلم بشرح النووي ج6 ص4028، رقمه(936).
([4]) أخرجه مسلم في كتاب الطلاق، باب المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها، صحيح مسلم بشرح النووي ج6 ص4034، رقمه (1480).
([5]) أخرجه مسلم في كتاب النكاح، باب جواز خروج المعتدة البائن، والمتوفى عنها زوجها. صحيح مسلم بشرح النووي ج6 ص 4054، رقمه (1483).
([6]) كتاب بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني ص209-210.
([7]) رواه الدارقطني في سننه، وقد تكلم صاحب إعلاء السنن على رواة الحديث وثقة بعضهم والاختلاف في البعض الآخر، وأن الاختلاف في التوثيق لا يضر، إعلاء السنن: للتهانوي ج11 ص316.
([8]) رواه الطحاوي وقال صاحب السنن سنده منقطع. المرجع السابق نفسه.
([9]) أوجز المسالك إلى موطأ مالك ج11 ص28.
([10]) المهذب في فقه الإمام الشافعي للشيرازي ج2 ص146-147.
([12]) ونص الحديث (عن أبي سلمة بن عبدالرحمن عن فاطمة بنت قيس: أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال والله مالك علينا من شيء، فجاءت إلى رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: ليس لك عليه نفقة….) أخرجه مسلم في كتاب الطلاق، باب المطلقة ثلاث لا نفقة لها. صحيح مسلم شرح النووي ج6 ص4036، رقمه (1480).