سؤال من الأخت ل. . . ج من الجزائر عن حكم من نفى ابنه ثم توفي فهل للابن أن يرثه؟.

حكم نفي الولد وما يترتب على ذلك

  1. والجواب: نفي الولد يتم إما برمي الزوج زوجته بالزنى أي يقذفها به، أو ينفي حملها منه. وفي المسألة وجهان: وجود حكم بالنفي وعدم وجود حكم به.
  • الوجه الأول: وجود حكم بالنفي حال حياة الأب، وهذا الحكم يترتب نتيجة حدوث لعان بين الزوجين؛ فإذا رمى الزوج زوجته بالزنى أو نفى حملها منه -كما لو ادعى عدم وطئها أو أنها أتت بالولد لأقل من ستة أشهر- وجبت الملاعنة بينهما، واللعن قذف، وسمي لعانًا؛ لأن كلًا من الزوجين يلعن نفسه إن كان كاذبًا.

والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع:

أما الكتاب: فقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِين} [النور:6]، {وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [النور:7]، {وَيَدْرَأ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِين} [النور:8]، {وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِين} [النور:9]، وسبب نزول هذه الآية أن هلال بن أمية قذف امرأته عند رسول الله ﷺ بشريك بن سحماء، فقال رسول الله ﷺ: (البينة أو حد في ظهرك)، فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل رسول الله ﷺ يقول: (البينة وإلا حد في ظهرك)، فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل -عليه السلام- وأنزل على رسول الله قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} الآية. فجاء هلال فشهد والنبي ﷺ يقول: (الله يعلم أن أحدكما لكاذب فهل منكما تائب)، فلما كانت عند الخامسة، وقفوها وقالوا إنها الموجبة، قال ابن عباس رضي الله عنه: فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت، فقال رسول الله ﷺ: (أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الإليتين خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء)، فجاءت به كذلك فقال رسول الله ﷺ: (لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي بها شأن)([1]).

وقد جرت السنة على ذلك، وفيها حديث عويمر العجلاني، وفيه أن رجلًا من قوم عاصم بن عدي الأنصاري جاء إليه فقال: ياعاصم أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ فسل يا عاصم عن ذلك رسول الله ﷺ، فسأل عاصم عن ذلك رسول الله ﷺ، فلما رجع إلى أهله جاء عويمر فقال: يا عاصم ماذا قال لك رسول الله ﷺ؟ فقال: لم تأتني بخير قد كره رسول الله ﷺ المسألة التي سألت عنها، فقال: والله لا أنتهي حتى أسأله عنها، فأقبل عويمر حتى أتى رسول الله ﷺ وسط الناس، فقال: يا رسول الله أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله ﷺ: (قد نزل فيك وفي صاحبتك قرآن فاذهب فأت بها)، قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله ﷺ، فلما فرغا من تلاعنهما قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره بذلك رسول الله ﷺ([2]).

وفي هذا قال الإمام ابن رشد: قال الإمام مالك: قال ابن شهاب: فلم تزل تلك سنة المتلاعنين، وأيضًا من جهة المعنى لما كان الفراش موجبًا للحوق النسب، كان بالناس ضرورة إلى طريق ينفونه به إذا تحققوا فساده، وتلك الطريق هي اللعان؛ فاللعان حكم ثابت بالكتاب والسنة والقياس والإجماع. إذ لا خلاف في ذلك أعلمه، فهذا هو القول في إثبات حكمه([3]).

وأما الإجماع: فقد جرى في السلف والخلف الحكم باللعان بين الزوجين إذا قذف الزوج زوجته بالزنى.

ويترتب على الملاعنة الأحكام التالية:

أولها: وجوب الحد على الزوج إذا نكل عن الملاعنة؛ لأن نكوله يدل على كذبه.

وثانيها: إقامة الحد على الزوجة إذا نكلت، ويرى الإمام أبو حنيفة عدم حدها وتحبس حتى تلاعن أو تقر بالفاحشة، فإن صدقته أقيم عليها الحد، واحتج بقول رسول الله ﷺ: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث. . الزنى بعد الإحصان)([4]).

وثالث الأحكام: وجوب الفرقة الأبدية بين المتلاعنين. فلا يحل للزوج أن يتزوج من لاعنها، لقول رسول الله ﷺ: (المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبدًا)([5]).

ورابع الأحكام: نفي النسب عن الزوج، فإذا نفى الزوج ابنه ألحق بأمه، وسقطت عن الأب مايفترض للولد من حقوق شرعية.

وخامس الأحكام: عدم الإرث -وهو مدار سؤال الأخت- فيكون الجواب أنه لا يرث من أبيه، بل يكون التوارث بينه وبين أمه، فيرثها وترثه، لما رواه شعيب عن أبيه عن جده قال: قضى رسول الله ﷺ في ولد المتلاعنين أنه يرث أمه وترثه أمه([6]).

الوجه الثاني: عدم وجود حكم بالنفي حال حياة الأب: وفي هذه الحال قد ينفي الرجل ولده حال حياته، وقد يكون هذا النفي صراحة أو تعريضًا أو يحدث به غيره ثم يموت، وهو على تلك الحال لم يلاعن زوجته، فالأصل في هذا أن الولد يلحق به لكونه ولد على فراشه، لما روته عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان عتبة ابن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد أن ابن وليدة زمعة مني فاقبضه إليك، فلما كان عام الفتح أخذه سعد بن أبي وقاص فقال: ابن أخي عهد إلي فيه، فقام عبد بن زمعة فقال: أخي وابن وليدة أبي، ولد على فراشه فتساوقا إلى النبي ﷺ فقال سعد: يارسول الله ابن أخي قد كان عهد إلي فيه، فقال عبد بن زمعة: أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه، فقال النبي ﷺ: (هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر) ثم قال لسودة بنت زمعة: (احتجبي منه)، لما رأى من شبهه بعتبة فما رآها حتى لقي الله([7]).

وقد نقل عن الإمام الشافعي قوله: إن لقول رسول الله ﷺ: (الولد للفراش) معنيين: أحدهما: هو له ما لم ينفه، فإذا نفاه بما شرع له كاللعان انتفى عنه. والمعنى الثاني: إذا تنازع رب الفراش والعاهر فالولد لرب الفراش([8]).

وخلاصة المسألة: أن نفي الولد يتم إما بأن يقذف الزوج زوجته بالزنى، أو ينفي حملها منه أصلًا. وفي المسألة وجهان:

الأول: وجود حكم بالنفي في حياة الأب، وهذا الحكم يترتب نتيجة حدوث لعان بين الزوجين، وهو أن يلعن نفسه أربع مرات إن كان كاذبًا بعد أن يقذف زوجته بالزنى.

ويترتب على اللعان خمسة أحكام:

أولها: وجوب الحد على الزوج إذا نكل عن الملاعنة، لأن نكوله يدل على كذبه.

وثانيها: إقامة الحد على الزوجة إذا نكلت.

وثالث الأحكام: وجوب الفرقة الأبدية بين الزوجين.

ورابع الأحكام: نفي النسب عن الأب فإذا نفى الزوج ولده ألحق بأمه، وسقط عن الأب ما يفترض عليه للولد كالنفقة.

وخامس الأحكام: حصر إرثه في أمه.

الوجه الثاني: عدم وجود حكم بنفي الولد حال حياة الأب كما لو نفى ولده حال حياته صراحة أو ضمنًا، أو تحدث به ولكن لم يلاعن زوجته ثم يموت، فهنا يلحق به الولد فينسب إليه، ويرثه، ويكون له كافة الحقوق من أبيه لكونه ولد على فراشه.

والله أعلم.

([1]) أخرجه أبو داود في كتاب الطلاق، باب في اللعان، سنن أبي داود، ج2 ص276-278، برقم (2254، 2256)، وأخرجه مسلم مختصراً في صحيحه في كتاب اللعان، صحيح مسلم بشرح النووي، ج10 ص128-129، وانظر أيضاً تفسير القرآن العظيم لابن كثير، ج3 ص257-258.

([2])  أخرجه البخاري في كتاب الطلاق، باب اللعان، ومن طلق بعد اللعان، فتح الباري، ج9 ص355، برقم (5308)، وأخرجه مسلم في كتاب اللعان، صحيح مسلم بشرح النووي، ج10 ص119-122.

([3]) بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ج2 ص115.

([4])  الفتاوى الهندية للشيخ نظام وجماعة من علماء الهند، ج1 ص543، والحديث أخرجه البخاري في كتاب الديات، باب قول الله تعالى { إنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ…}فتح الباري، ج12 ص209، برقم (6878).

([5]) أخرجه البيهقي في كتاب اللعان، باب ما يكون بعد التعان الزوج من الفرقة ونفي الولد وحد المرأة إن لم تلتعن، السنن الكبرى، ج7 ص409، صححه الألباني في السلسلة الصحيحة، (٢٤٦٥).

([6])  المبسوط للسرخسي، ج29 ص198، وعقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة لابن شاس، ج3 ص453، وبداية المجتهد ونهاية المقتصد للإمام ابن رشد، ج2 ص355، والقوانين الفقهية لابن جزي، ص259، وانظر الحاوي الكبير للماوردي، ج10 ص354-355، وروضة الطالبين وعمدة المفتين للنووي، ج6 ص43، والمغني لابن قدامة، ج9 ص114-117. والحديث أخرجه أحمد (٧٠٢٨) وقال أحمد شاكر في تخريج المسند لشاكر، (١١/١٩٥): إسناده صحيح.

 

([7])  أخرجه البخاري في كتاب الفرائض، باب الولد للفراش حرة كانت أو أمة، فتح الباري، ج12 ص85-86، برقم (6749)، وقال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث: (الوليدة) تطلق على الأمة، وزمعة هو ابن قيس بن عبد شمس القرشي العامري والد سودة زوج رسول الله ﷺ، وعتبة بن أبي وقاص أخو سعد مختلف في صحبته فقيل إنه كان أصاب دماً بمكة في قريش فانتقل إلى المدينة، وقيل إنه الذي شج وجه رسول الله ﷺ بأحد فدعا عليه، وقيل إنه مات مقتولاً، وأنه مات كافراً. ثم قال الحافظ ابن حجر: واللائق بقصة أمته زمعة أن عتبة أصاب الأمة سراً من زنى وهما كافران فحملت، وولدت ولداً يشبهه فغلب على ظنه أنه منه فبغته الموت قبل استلحاقه فأوصى أخاه أن يستلحقه، فعمل سعد بذلك تمسكاً بالبراءة الأصلية. وفي قول رسول الله ﷺ لزوجته زمعة: (احتجبي منه) أن الأمر بذلك كان للاحتياط؛ لأنه وإن حكم بأنه أخوها لقوله: (هو أخوك يا عبد)، وإذا ثبت أنه أخو عبد لأبيه فهو أخو سودة لأبيها، لكن لما رأى الشبه بيناً بعتبة أمرها بالاحتجاب منه احتياطاً. وقد أشار الخطابي إلى أن ذلك مزية لأمهات المؤمنين؛ لأن لهن في ذلك ما ليس لغيرهن، فتح الباري بشرح صحيح البخاري الحافظ ابن حجر العسقلاني، ج12 ص32-37.

([8])  فتح الباري، ج12 ص36.