سؤال من الأخت ليان من الجزائر، تقول: قد صدر مني بعض الأخطاء والذنوب، فهل يشترط أن أخبر المتقدم لخطبتي؟ ولو لم أخبره فهل أنا آثمة؟

ماذا يلزم الإخبار به للمتقدم للخطبة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فقد سبق أن ذكرنا أنه ينبغي للعبد أن يستر نفسه ولا يجاهر بمعصية أو ذنب ارتكبه، فمن لطف الله ورحمته بعباده أنه يستر عيوبهم وعوراتهم، ويدعوهم للتوبة مما قد يكونون اقترفوه، فيتوب عليهم ويغفر لهم، والعبد معرض للخطأ، وفي الحديث القدسي: “كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون”([1])، وقال رسول الله -عليه الصلاة والسلام-: “كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملًا، ثم يصبح وقد ستره الله عليه فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه”([2]).

وقد حث رسول الله -عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم- على ستر العبد لنفسه حين يذنب هذا ذنبًا أو يعصي معصية، ففي حديث عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود -رضي الله عنه- قَالَ: “جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي عَالَجْتُ امْرَأَةً فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَإِنِّي أَصَبْتُ مِنْهَا مَا دُونَ أَنْ أَمَسَّهَا، فَأَنَا هَذَا فَاقْضِ فِيَّ مَا شِئْتَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ سَتَرَكَ اللَّهُ لَوْ سَتَرْتَ نَفْسَكَ، قَالَ: فَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- شَيْئًا، فَقَامَ الرَّجُلُ فَانْطَلَقَ فَأَتْبَعَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-رَجُلا دَعَاهُ وَتَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ: (وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفَيْ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ)، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، هَذَا لَهُ خَاصَّةً؟ قَالَ: بَلْ لِلنَّاسِ كَافَّةً”([3]).

وفي حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: كُنْتُ عِنْدَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنِّي أصَبْتُ حَدًّا فأقِمْهُ عَلَيَّ، قَالَ: ولَمْ يَسْأَلْهُ عنْه، قَالَ: وحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى مع النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فَلَمَّا قَضَى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-الصَّلَاةَ، قَامَ إلَيْهِ الرَّجُلُ فَقَالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنِّي أصَبْتُ حَدًّا، فأقِمْ فِيَّ كِتَابَ اللَّهِ، قَالَ:” أليسَ قدْ صَلَّيْتَ معنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فإنَّ اللَّهَ قدْ غَفَرَ لكَ ذَنْبَكَ، أوْ قَالَ: حَدَّكَ”([4]).

فعلى هذا لا يجب على الأخت في السؤال أن تخبر خطيبها عن معصية أو ذنب قد ارتكبته، فقد سترها الله، فعليها أن تشكره على هذا الستر.

فالمهم في المقام الأول أنها صلت صلاة التوبة وتابت من ذنبها، وحققت التوبة بشروطها الثلاثة، وهي: الإقلاع عن الذنب، والندم على فعله، والعزم على عدم العودة إليه، فهذا يكفيها، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، كما قاله رسول الله -صلى الله عليه وسلم-([5])، ولا تعد آثمة -إن شاء الله- إذا لم تخبر خطبيها أو زوجها عن ذنبها.

والله -تعالى- أعلم.

[1] أخرجه الترمذي (2499)، وابن ماجه (4251)، وأحمد (3/198) (13072) وحسنه ابن حجر في ((تخريج مشكاة المصابيح)) (2/448).

[2] أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب ستر المؤمن على نفسه، (8/ 20)، برقم: (6069)، ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب النهي عن هتك الإنسان ستر نفسه، (4/ 2291)، برقم: (2990).

[3] أخرجه مسلم (4964).

[4] أخرجه البخاري برقم (6823).

[5] أخرجه الشوكاني، في فتح القدير، عن عبدالله بن مسعود، الصفحة أو الرقم: 2/433، صحيح، حسنه الألباني في صحيح ابن ماجه، (٣٤٤٦)..