الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا ورسولنا محمد، أما بعد:
فالطلاق إما أن يقول الزوج لزوجته طلقتك، أو يقول فارقتك، وقد سمى الله الفراق طلاقا في قوله جل في علاه: (وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا) (النساء:130)، وإما أن يكون الطلاق كناية مثل قول الزوج لزوجته انتهت العشرة أو المعاشرة بيننا منذ الآن فهذا واضح في دلالته على الطلاق بالكناية؛ لأن العشرة والمعاشرة أساس عقد الزوجية.
ولا تعد الكناية طلاقا إذا كانت تحتمل معنيين كما لو قال لزوجته خلاص كل منا منا له حياته، فهذا لا يدل على الطلاق، أو كما ذكر في السؤال كل منا يأخذ طريقه، فقد يريد الزوج أنه وزوجته يسلكان طريقان يختلف طريق أحدهما عن طريق الآخر حين يذهبان إلى السوق، فما ذكره الزوج لزوجته فهذا لا يعد طلاقا إلا إذا كان ينوي ذلك في نفسه فعليه أن يوضح بأنه يريد طلاقها، فيؤخذ قوله، وحسابه على الله.
أما قوله بأنه سيعلق زوجته فتكون غير متزوجة وغير مطلقة، فهذا لا يجوز، والأصل في هذا ما بين الله عن صعوبة العدل بين الزوجات وميل الزوج إلى إحداهن فنهاه عن تعليق الزوجة الأخرى، فقال تقدس اسمه (وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ۚ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا) (النساء:129).
هذا في عموم المسألة: أما عن سؤال الأخت السائلة فلا يجوز لزوجها أن يعلقها بل الواجب عليه أن يمسكها أو يطلقها، كما قال عز وجل: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) (البقرة:229)، فإن أمسكها بمعروف فهذا واجبه، وإن لم يفعل فهو ظالم لها، وقد حرم الله الظلم بقوله عز ذكره: (وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا) (الفرقان:19)، كما حرم الظلم على نفسه حرمه على عباده، بقوله عز ذكره في الحديث القدسي فيما رواه أبو ذر الغفاري -رضي الله عنه-: “يا عبادي إنِّي حرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي وجعلتُهُ بينَكم محرَّمًا فلا تَظالموا”([1]).
فالحاصل أن ما ذكره الزوج لا يعد طلاقا؛ لأنه كناية تحتمل معنيين ما لم يصرح أنه يريد الطلاق، أما كلامه عن تعليق زوجته فهذا لا يجوز؛ لأنه ظلم وقد حرم الله الظلم، وحق لها أن ترفع الأمر للحاكم الشرعي.
والله تعالى أعلم.
[1] أخرجه مسلم (2577).