الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فظاهر سؤال الأخت أن زوجها لا يصلي، وأنه مدمن الخمر مع سوء معاملته لها، وتسأل عما إذا كان يحق لها طلب الطلاق أو الاكتفاء بهجره، والجواب من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أما تركه للصلاة، فهذا إثم عظيم يحيق به؛ لأن الصلاة ركن من أركان الإسلام، أمر الله -عز وجل- بإقامتها في آيات من كتابه، فمن تركها عامدًا متعمدًا يعد خارجًا عن الإسلام، والوعد بالعذاب على تركها، فوصف الله الذين يضيعونها بأنهم سيلقون غيًّا، فقال -عز ذكره-: (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) (مريم:59)، أي عذابًا، وكما عظم الله أمرها عظمه رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم-بقوله: “العهدُ الذي بينَنا وبينَهم الصلاةُ فمَن تركَها فقد كفرَ”([1])، وقوله -عليه الصلاة والسلام-: “من سمعَ النِّداءَ فلم يأتِهِ فلا صلاةَ لَه إلَّا من عُذرٍ”([2])، وقوله -عليه الصلاة والسلام-: ” لقَدْ هَمَمْتُ أنْ آمُرَ بالصَّلاةِ فَتُقامَ، ثُمَّ أُخالِفَ إلى مَنازِلِ قَوْمٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ، فَأُحَرِّقَ عليهم”([3])، والأحاديث في عظم الصلاة كثيرة.
الوجه الثاني: الإدمان على الخمر، وهذا الإدمان أيضًا منكر عظيم، فالخمر أم الخبائث، وقد حرمها الله في قوله -جل وعلا-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ) (المائدة:90-91).
وكما عظم الله إثمها عظمه رسوله -صلى الله عليه وسلم-كما رواه أنس -رضي الله عنه- بقوله: (لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، و المشتراة له)([4]).
الوجه الثالث: أن معاملة الزوج لزوجته بسوء لا يجوز، فالزوجة لها حق على زوجها كما هو حق عليها بأن تكون العلاقة بينهما بالمعاشرة الحسنة، فبيّن -عز وجل- أن من آياته أن جعل بينهما مودة ورحمة بقوله -جل في علاه-: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم:21). ومن السكينة أو الرحمة معاملة الزوج لزوجته. ولعظم حق الزوجة وما يجب لها تجاه زوجها، حث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-على ذلك في حجة الوداع، في يوم عظيم ومشهد عظيم، فقال -عليه الصلاة والسلام-: (واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنما هن عوان عندكم)([5]).
هذا في عموم المسألة بإيجاز، أما عن سؤال الأخت، فإن كان ترك زوجها للصلاة عمدًا فهذا يعد غير مسلم، ويجب عليها الطلاق منه؛ لأنه لا ولاية لغير المسلم على المسلم كما قال -تعالى-: (وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا)(النساء:141).
أما إن كان تركه للصلاة تهاونًا، فتطلب له الهداية من الله فعسى الله أن يهديه إلى سواء السبيل؛ لأن في التهاون في الصلاة إثم عظيم، كما قال -عز وجل-: (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ )(الماعون:4-5). أي يؤخرونها عن أوقاتها. أما إدمانه للخمر، فإن كان ذلك يؤثر فيها في دينها أو نفسها أو ولدها فيحق لها طلب الطلاق منه؛ لأن الحفاظ على الدين وعلى النفس من الضرورات الشرعية.
وأما سوء معاملته لها، فهذا مما لا يجوز له، فإن كانت هذه المعاملة تضرها في دينها أو نفسها، ولا تستطيع الصبر معه فلها الحق في الطلاق، والقضاء هو الذي تقرر ذلك.
والله -تعالى- أعلم.
[1] أخرجه الترمذي (2621)، والنسائي (463)، وابن ماجه (1079)، وأحمد (22987) وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي برقم (462).
[2] أخرجه أبو داود (551) مطولاً، وابن ماجه (793) واللفظ له، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه برقم (652).
[3] صحيح البخاري(2420).
[4] – أخرجه الترمذي برقم: (3087)، صححه الألباني في غاية المرام، (٦٠).
[5] -أخرجة الترمذي برقم (1295)، حسنه الألباني في صحيح الترمذي، (١١٦٣).