سؤال من الأخت فطيمة شكيرو من الجزائر، تقول: هل يجوز للمرأة أن تخلص حياتها فقط للعلم وترفض الزواج؛ مخافة عواقبه من حرمان للعلم؟

حكم التفرغ للعلم دون الزواج

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه ورسوله محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد:

فإن الزواج من حكم الله وسننه في خلقه؛ بقوله -جل في علاه-: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً) (النحل:72)، كما جعله من آياته العظيمة بقوله -عز ذكره -: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم:21)، ولم يستثن أحدًا من خلقه من هذه الحكمة والسنة، فأخبر رسوله محمدًا -صلى الله عليه وسلم-أن الأنبياء والرسل من قبله كان لهم أزواج وذرية: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً) (الرعد:38)، فكانت هذه السنن بمثابة الأمر للخلق كلهم بأن يتزوجوا، فاستجاب البشر والحيوان ومختلف الدواب لهذا الأمر، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وفي ظل هذا الترغيب الرباني، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر الأنبياء يوم القيامة)([1])، وقال:( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء )([2])، وقال فيما رواه عمرو بن العاص -رضي الله عنه-: (الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة)([3]).

وفي حمأة الصراع بين الإنسان ونفسه ربما تنتابه نزعة إلى ترك الزواج، فيظن أن في ذلك خلاصًا له من أعباء قد تثقل كاهله، كالزوجة والولد، وقد يكون مبعث هذه النزعة ما يظنه أفضل من الزواج، ففي حديث أنس -رضي الله عنه- قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-، يسألون عن عبادة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إليهم، فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)([4]).

أما سؤال الأخت عن ترك الزواج؛ لكي تتفرغ للعلم، فإن طلب العلم -أيًّا كان نوعه- لا يمنع من الزواج، بل يكون هذا الزواج معينًا على طلب العلم، ذلك أن في الزواج سكينة وطمأنينة للنفس، مما يعينها على طلب العلم؛ فالأنبياء والرسل -عليهم السلام- تزوجوا وهم يبلغون أشرف الرسالات من الله، والعلماء على مختلف مسمياتهم تزوجوا وأنجبوا ذريات، فملأت كتبهم ونظرياتهم الآلاف من الكتب.

والحاصل أنه إذا كان هدف الأخت من عدم الزواج طلب العلم فلعله لا يجوز لها ذلك؛ لأن الزواج من سنن الله وحكمته، ولم يعلم أنه قد حال أو أعاق عن العلم.

والله- تعالى- أعلم.

 

[1] – أخرجه ابن حبان في صحيحه برقم (4028)، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود:” حسن صحيح” رقمه (2050).

[2] – أخرجه البخاري برقم (5065).

[3] – أخرجه مسلم برقم (1467).

[4] – أخرجه البخاري برقم (5063).