سؤال من الأخت فاطمة من الجزائر، تقول: هل يقع الطلاق البدعي؟

هل يقع الطلاق البدعي

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فالسنة في الطلاق أن يطلق الزوج طلقة واحدة، فيقول: أنت طالق أو طقلتك، والحكمة في هذا أن الزوج قد يراجع نفسه فيندم على ما فعل.

فطلاق السنة يعطي له الحق في مراجعة زوجته، وهذا من رحمة الله وشرعه لعباده، أما الطلاق البدعي -فعلى اسمه- مخالف لشرع الله، وصفته أن يطلق الزوج زوجته ثلاثًا بكلمة واحدة، فيقول أنت طالق بالثلاث، أو يطلقها ثلاثًا متفرقات في مجلس واحد، فيقول أنت طالق أنت طالق أنت طالق، أو يطلقها وهي حائض، أو يطلقها وهي في نفاس، أو يطلقها في طهر جامعها فيه، فهذا هو الطلاق البدعي، ولا خلاف بين العلماء بأن هذا الطلاق محرم.

والأصل في هذا قول الله – تعالى- (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ) (الطلاق: ١)، والمراد أنكم أيها الأزواج إذا أردتم طلاق زوجاتكم فطلقوهن في الوقت الذي ينتظرن العدة، والمرأة تنتظر العدة بعد طلاقها من نفاس أو حيض وقبل أن يجامعها، فإذا طلقت في نفاس ستطول عليها العدة أي عدة المطلقة وأيام النفاس، وإن طلقها في حيض سوف تطول عليها العدة، وكذلك الأمر للحائض، ومن طلقها في طهر جامعها فيه فلا تدري أحملت أم لا، ومن ثم لا تدري بما تعتد؛ ولهذا لم يجز الطلاق في وقت النفاس والحيض والطهر الذي جامعها الزوج فيه؛ لأن ذلك يؤدي إلى الإضرار بها، وهو مما حرمه الله، والأصل في هذا قصة عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- فقد طلقها وهي حائض، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعمر: (مره فليراجعها ثم يطلقها إذا طهرت أو هي حامل)([1])، ولما كان الطلاق البدعي محرمًا اختلف الفقهاء فيما إذا كان يقع أم لا، فذهب جمهور العلماء إلى أنه يقع، ووجه الاستدلال أن هذا الطلاق يقع تحت آيات الطلاق في عمومها، وكذا قصة ابن عمر -رضي الله عنهما- فلما طلق امرأته وهي حائض قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- – لعمر: (مره فليراجعها) بأن تلك الطلقة حسبت، فدل ذلك على وقوع الطلاق، وذهب عدد من العلماء إلى خلاف ذلك، وقالوا إن الطلاق لا يقع، ومنهم عبدالله بن عمر وسعيد ابن المسيب وطاؤوس وابن عقيل الحنبلي وابن تيمية، ووجه الاستدلال أن هذا الطلاق لا يدخل تحت آيات الطلاق، وأما قول ابن عمر أنها حسبت طلقة فلم يثبت، فقد روى النسائي وأبو داود أنه طلق امرأته وهي حائض فردها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم ير هذه الطلقة شيئًا، بل أنه -عليه الصلاة والسلام- غضب وهو لا يغضب إلا من حرم الله، وفي هذا كلام طويل([2]).

فالحاصل: أن جمهور العلماء يرون أن طلاق البدعة يقع، وعدد من التابعين والعلماء يرون عدم وقوعه، ولعل هذا – والله أعلم – أقرب للصواب؛ للأسباب التالية:

أولها: أنه لا يجب أن يكون للبدعة أثر من الحل؛ كما يقول ابن تيمية.

وثانيها: أن الطلاق مما أبغضه الله؛ لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- – (أبغض الحلال إلى الله الطلاق)([3])، فالأصل بقاء النكاح والطلاق استثناء منه، ولا يجب تقديم الاستثناء على الأصل.

وثالثها: أن المطلق طلاق البدعة قد تعدى السنة، فيحاسب على هذا التعدي بعدم وقوع طلاقه.

ورابعها: أن المطلق طلاق البدعة يأثم، ومن مصلحته عدم وقوع طلاقه منعًا لإثمه.

والله – تعالى- أعلم.

[1] أخرجه مسلم(1471).

[2] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ج33 ص 99-104، والمحلى بالآثار ج6 ص 165، وزاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم ج5 ص 208.

[3] أخرجه أبوداود برقم(2177)، صححه السيوطي في الجامع الصغير، (٥٣)..