الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فالأصل في وجوب نفقة الزوجة على زوجها الكتاب والسنة والإجماع والمعقول:
أما الكتاب: فقول الله – تعالى-: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) [الطلاق: ٦]، وقوله -عز وجل-: (لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) [الطلاق: ٧]، والمراد بالمنفق أبو الولد.
وأما السنة: فمنها حديث معاوية القشيري -رضي الله عنه-قال: (قلت يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت)([1])، ومنها قوله -عليه الصلاة والسلام- في حجة الوداع، وهو يودع أمته: (فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بكلمة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وإنَّ لكم عليهنَّ ألَّا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحًدا تكرهونَه، فإنْ فعَلْنَ ذلك فاضرِبوهنَّ ضربًا غيرَ مُبَرِّحٍ، ولهنَّ عليكم رِزقُهنَّ وكِسوتُهنَّ بالمعروفِ)([2]). ومن الأحاديث قصة هند بنت عتبة مع زوجها، فقد قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح ولا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بنيّ، فقال -عليه الصلاة والسلام-: (خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف)([3]).
وأما الاجماع: فقد أجمع أهل العلم من السلف والخلف على وجوب نفقة الزوجة على زوجها ما دامت في طاعته وفي مرضاة الله، غير ناشزة ولا ساخطة.
وأما أسباب وجوب النفقة للزوجة على زوجها من حيث العقل: فيترتب من حيث التوافق في المنافع، فإذا كانت تسكن مع زوجها وتربي أولادها وتؤدي واجباتها الزوجية المترتبة من عقد زوجها فالعقل يقتضي أن يقوم الزوج بحقوقها، في السكن والغذاء والدواء والكساء وغير ذلك مما يوجبه العرف بين الناس، وبالمقابل لن يقول عاقل بخلاف ذلك، وإلا لن يكون هنالك معنى للعلاقة بين الزوج وزوجته، وهو ما حرص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على إيضاحه لأمته في حجه، وما أمر به من الاستيصاء بالنساء خيرًا.
فالحاصل أن سبب وجوب نفقة الزوجة على زوجها ما يقضي العقد بينهما، مما هو معلوم شرعًا وعرفًا، من النفقة في المطعم والمشرب والمسكن والملبس، مع ما يقابل ذلك من حقه في الاستمتاع، وحقه في طاعته في مرضاة الله.
والله – تعالى- أعلم.
[1] صحيح سنن أبي داود(2143)، قال الألباني في صحيح أبي داود، (٢١٤٢): حسن صحيح .
[2] أخرجه مسلم ( 1218).
[3] أخرجه البخاري (3825)، ومسلم (1714).