الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن مولية الرجل أمانة عنده، ومن واجبه الحرص على هذه الأمانة والإحسان إليها وإكرامها، وقد عظم الله أمر الأمانة بقوله –عز وجل-: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (الأحزاب:72)، ومن إحسان الولي إلى موليته عدم قسرها على من لا تريد الزواج منه، فلا يزوجها إلا من رجل ذي دين وخلق كفؤ لها، فإن زوجها خلاف ذلك أصبح ظالمًا لها، وفي هذا قالت عائشة -رضي الله عنها-: “النِّكاحُ رِقٌ؛ فليَنظُرْ أحدُكم أين يضعُ كَريمَتَه”([1])، كما أكد رسول الله-صلى الله عليه وسلم- حق المولية في اختيار زوجها، فقال -عليه الصلاة والسلام-: ” الأيمُ أحقُّ بنفسِها من وليِّها، والبكرُ تُستأذنُ، وإذنُها صماتُها”([2]).
هذا من حيث الشرع، أما من حيث العقل، فلا يتصور أن يقسر الولي موليته على زوج لا ترغب فيه؛ لما يؤدي إليه ذلك من مشكلات يكون الطلاق نتيجتها؛ فالزواج مودة وسكينة ورحمة كما قال الله- عز وجل-: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم:21)، فإذا لم تكن هناك رغبة بين الزوجين أو أحدهما فلن تكون بينهما سكينة ومودة ورحمة.
فاقتضى هذا أنه لا يجوز للأب أن يزوج موليته ممن لا ترغب فيه، بل يجب عليه تحقيق رغبتها فيما فيه خير لها في دينها ودنياها.
والله- تعالى- أعلم.
[1] الإفصاح عن أحاديث النكاح للهيتمي المكي رقمه(71) وقال صح موقوفا.
[2] أخرجه مسلم (1421).