الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا ورسولنا محمد، أما بعد:
فالجواب: أنه يحرم على المسلمة أن تتزوج من غير المسلم والأصل في هذا الكتاب والسنة والإجماع والمعقول.
أما الكتاب: فقول الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ۖ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) (الممتحنة:10)، وذكر ابن كثير في تفسيره أن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط هاجرت إلى المدينة، فخرج أخواها عمارة، والوليد حتى قدما على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكلماه فيها أن يردها إليهما، فنقض الله العهد بينه وبين المشركين في النساء خاصة، ومنعهن أن يرددن إلى المشركين، وأنزل الله آية الامتحان([1])، والأصل فيه أيضا من الكتاب قوله تعالى: (وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا ۚ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ۖ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (البقرة:221)، قال البغوي في تفسيره: قوله تعالى: (وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا هذا إجماعٌ: لا يجوزُ للمُسلِمةِ أن تنكِحَ المُشرِكَ)([2]).
أما التحريم من السنة: ما روته أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لَمَّا كَاتَبَ سُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو يَومَئذٍ كانَ فِيما اشْتَرَطَ سُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو (في صلح الحديبية) علَى النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: أنَّه لا يَأْتِيكَ مِنَّا أحَدٌ وإنْ كانَ علَى دِينِكَ، إلَّا رَدَدْتَهُ إلَيْنَا وخَلَّيْتَ بيْنَنَا وبيْنَهُ، فَكَرِهَ المُؤْمِنُونَ ذلكَ وامْتَعَضُوا منه، وأَبَى سُهَيْلٌ إلَّا ذلكَ، فَكَاتَبَهُ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- علَى ذلكَ، فَرَدَّ يَومَئذٍ أبَا جَنْدَلٍ إلى أبِيهِ سُهَيْلِ بنِ عَمْرٍو، ولَمْ يَأْتِهِ أحَدٌ مِنَ الرِّجَالِ إلَّا رَدَّهُ في تِلكَ المُدَّةِ وإنْ كانَ مُسْلِمًا، وجَاءَتِ المُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ، وكَانَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بنْتُ عُقْبَةَ بنِ أبِي مُعَيْطٍ مِمَّنْ خَرَجَ إلى رَسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَومَئذٍ، وهي عَاتِقٌ، فَجَاءَ أهْلُهَا يَسْأَلُونَ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أنْ يَرْجِعَهَا إليهِم، فَلَمْ يَرْجِعْهَا إليهِم، لِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِنَّ: (إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ) إلى قَوْلِهِ تعالى: (وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) [الممتحنة: 10]، قالَ عُرْوَةُ: فأخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أنَّ رَسولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كانَ يَمْتَحِنُهُنَّ بهذِه الآيَةِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ} إلى {غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الممتحنة: 10 – 12]، قالَ عُرْوَةُ: قالَتْ عَائِشَةُ: فمَن أقَرَّ بهذا الشَّرْطِ منهنَّ، قالَ لَهَا رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: قدْ بَايَعْتُكِ، كَلامًا يُكَلِّمُهَا به([3]).
وأما الإجماع: على تحريم زواج المسلمة من غير المسلم فقد أجمعت الأمة في سلفها وخلفها على تحريم زواج المسلمة من غير المسلم قال ابن المنذر: “أجمع أهلُ العلمِ أنَّ عقدَ نكاحِ الكافِرِ على المُسلِمة باطِلٌ”([4])، وقال ابن قدامة: “الإجماعُ المنعَقِدُ على تحريمِ تزوُّجِ المُسلِماتِ على الكُفَّارِ”([5])، وقال القرطبي: “أجمعت الأمَّةُ على أنَّ المُشرِكَ لا يطأُ المؤمِنةَ بوَجهٍ”([6]).
وأما المعقول: فالإنسان بفطرته يتعاطف ويتآلف مع من يسكن إليه حتى المخلوقات الأخرى لا تتآلف إلا مع من تأنس له ولا يوجد التنافر إلا بين الأضداد، والمسلمة لن تستطيع أن تكون مع زوج يختلف معها في طباعه وتربيته وعقيدته وسلوكه فهذا يقتضي بالضرورة عدم التوافق والتجانس بين الأضداد.
فالحاصل في الإجابة على السؤال: أنه حرم على المسلمة الزواج من غير المسلم.
أما إذا أسلم وحسن إسلامه حق لها الزواج منه وفقا للأحكام الشرعية.
والله تعالى أعلم.
[1] تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 4 ص 550، والحديث أخرجه البخاري(2711).
[2] ((تفسير البغوي)) (1/256).
[3] أخرجه البخاري (2711).
[4] ((الأوسط)) (9/305). ويُنظر: ((المغني)) لابن قدامة (7/169).
[5] ((المغني)) (7/155).
[6] (تفسير القرطبي)) (3/72).