الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فالجواب أن هناك خلافًا بين بعض العلماء حول خروج المعتدة في أثناء عدتها، وعند جمهور الفقهاء يجوز لها الخروج مِن بَيتِها نهارًا؛ للحاجةِ. وهذا مَذهَبُ الجُمهورِ: الحَنَفيَّةِ، والشَّافِعيَّةِ، والحَنابِلةِ؛ وذلك؛ لأن نَفَقتَها على نَفسِها، فتَحتاجُ إلى التكَسُّبِ، وهو لا يكونُ إلَّا نهارًا، وفي بَعضِ اللَّيلِ([1])، قال ابن قدامة: ” وَلِلْمُعْتَدَّةِ الْخُرُوجُ فِي حَوَائِجِهَا نَهَارًا، سَوَاءٌ كَانَتْ مُطَلَّقَةً أَوْ مُتَوَفًّى عَنْهَا؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ -رضي الله عنه- قَالَ:”طَلُقَتْ خَالَتِي ثَلَاثًا، فَخَرَجَتْ تَجُذُّ نَخْلَهَا، فَلَقِيَهَا رَجُلٌ، فَنَهَاهَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- – فَقَالَ: (اُخْرُجِي، فَجُذِّي نَخْلَك، لَعَلَّك أَنْ تَصَّدَّقِي مِنْهُ، أَوْ تَفْعَلِي خَيْرًا)([2])، وَرَوَى مُجَاهِدٌ، قَالَ: «اُسْتُشْهِدَ رِجَالٌ يَوْمَ أُحُدٍ، فَجَاءَتْ نِسَاؤُهُمْ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- – وَقُلْنَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَسْتَوْحِشُ بِاللَّيْلِ، أَفَنَبِيتُ عِنْدَ إحْدَانَا، فَإِذَا أَصْبَحْنَا بَادَرْنَا إلَى بُيُوتِنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: تَحَدَّثْنَ عِنْدَ إحْدَاكُنَّ، حَتَّى إذَا أَرَدْتُنَّ النَّوْمَ، فَلْتَؤُبْ كُلُّ وَاحِدَةٍ إلَى بَيْتِهَا»([3])، قال ابن قدامة: وَلَيْسَ لَهَا الْمَبِيتُ فِي غَيْرِ بَيْتِهَا، وَلَا الْخُرُوجُ لَيْلًا، إلَّا لِضَرُورَةٍ؛ لأن اللَّيْلَ مَظِنَّةُ الْفَسَادِ، بِخِلَافِ النَّهَارِ، فَإِنَّهُ مَظِنَّةُ قَضَاءِ الْحَوَائِج وَالْمَعَاشِ، وَشِرَاءِ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ”([4]).
وعند جمهور الفقهاء يجوزُ للمُعتَدَّةِ مِن الوَفاةِ الخُروجُ مِن بَيتِها ليلًا؛ للحاجةِ، وهو مَذهَبُ الجُمهورِ: من الحَنَفيَّةِ والمالِكيَّةِ، والشَّافِعيَّة ووجهٌ للحَنابلةِ؛ وذلك؛ لأن نَفَقتَها على نَفسِها، فتَحتاجُ إلى التكَسُّبِ، وهو لا يكونُ إلَّا نهارًا، وفي بَعضِ اللَّيلِ([5]).
فالحاصل أنه يجوز للمعتدة أن تخرج من بيتها نهارًا لزيارة أهلها أو أقاربها، وتخرج كذلك لقضاء حاجاتها هذا في النهار، وإذا كانت المعتدة عاملة، فالواجب أن تكون لها إجازة مدة عدتها؛ استهداء بقول الله –عز وجل-: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) (البقرة:234)، ومع أن هذا ” التربص” يتعلق بالزواج، إلا أن الحكمة واضحة في وجوب تكريمها لزوجها المتوفى، وهذا ينطبق على عدم عملها خلال هذه المدة، وإذا لم تكن لها إجازة وهي في حاجة إلى الإنفاق على نفسها فتخرج كذلك للعمل، هذا في النهار، أما في الليل فلا تخرج إلا إذا كان هناك ضرورة لخروجها، كخروجها للعلاج أو شراء الطعام، أو نحو ذلك من الضرورات.
والله -تعالى- أعلم.
[1] ((مختصر القدوري)) (ص: 170)،و ((حاشية ابن عابدين)) (3/536)، و((تحفة المحتاج)) لابن حجر الهيتمي (8/262)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (3/403)، و((المبدع)) لابن مفلح (/128)، و((كشاف القناع)) للبهوتي (5/431).
[2] أخرجه مسلم (1483)، وأبو داود (2297) واللفظ له، والنسائي (3550)، وابن ماجه (2034)، وأحمد (14444).
[3] أخرجه البيهقي (١٥٩١٤)، إرواء الغليل للشيخ الألباني رقمه (2135).
[4] المغني ج ص 163.
[5] ((مختصر القدوري)) (ص: 170)، ((تبيين الحقائق)) للزيلعي (3/37)، و ((منح الجليل)) لعليش (4/335) و ((روضة الطالبين)) للنووي (8/416)، ((نهاية المحتاج)) للرملي (7/156)، و ((الإنصاف)) للمرداوي (9/226).