سؤال من الأخت سارة من الجزائر، تقول: هل يحق للخاطب أن يتراجع عن الزواج دون سبب مقنع، مع العلم أن مدة الخطوبة طالت؟

تراجع الخاطب عن الزواج من مخطوبته

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فقد سبق القول بأن الخطبة وعد بالزواج وليست عقدًا له، وليس فيها التزام على الخاطب أو المخطوبة، إذا تراجعا عنها، فقد يكون للخاطب عذر للتراجع عنها، كعدم قدرته على الزواج في نفسه أو ماله، ونحو ذلك مما لا يعرفه إلا هو، فتراجعه عن إتمام الزواج إخلاف لوعده، وهذا الإخلاف لا يرتب التزامًا عليه، سوى وصف هذا الإخلاف بأنه من النفاق؛ لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)([1])، وقد ذكرنا في المسألة رقم (499) ما يهديه الخاطب لمخطوبته، وما يحق للمخطوبة بعد التراجع عن الخطبة، وما يجب على الخاطب، وقلنا بأن الخطبة مقدمة للزواج ووعد به، فيجوز للخاطب والمخطوبة التراجع عن إتمام الزواج؛ لما يعتقده أي منهما أن في ذلك مصلحة له، و (الوعد) ليس عقدًا وليس فيه التزام، وكونه بهذه الصفة لا يترتب عليه أحكام أو حقوق، فأكثر ما فيه أنه التزام خلقي، فإخلافه إخلال بهذا الالتزام.

وكان السلف -رحمهم الله- يحرصون أشد الحرص على الوفاء، فلما حضرت عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- الوفاة قال: إنّ فلانًا خطب إليّ ابنتي، وإني كنت قلت له فيها قولًا شبيهًا بالعِدَة، والله لا ألقى الله بثُلُث النفاق، وأشهدكم أني قد زوَّجته)([2])، ومع أنه ليس من المناسب خلقًا أن يخلف الخاطب وعده ويتراجع عن خطبته، إلا أنه لا يلزم بإبداء الأسباب عن تراجعه، ولعل في ذلك ما يكون فيه خير لهما، قال -عز وجل-: (وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة:216).

والله – تعالى- أعلم.

 

[1]– أخرجه البخاري برقم (33).

[2] – تفسير الطبري ج14/378.