الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فظاهر السؤال أن أبا البنت يرد من يتقدم لخطبتها؛ بسبب أن الخاطب ليس من قومه أو نسبه، ومع ذلك فإنها – كما تقول- تبر به رغم طلاقه أمها وعدم إنفاقه عليها، فمن هذا الجانب تُشكر هذه الأخت على برها بأبيها، فهذا هو الواجب عليها؛ لأن الله -عز وجل- عظّم بر الوالدين وحرم عقوقهما، وإن قصرا في حق ولدهما.
أما السؤال، فهو عما إذا كان عليها أن تستجيب لما يراه أبوها أو لا تستجيب في شأن خطبتها، وما إذا كان عليها من إثم في ذلك.
هذا السؤال يتطرق إلى ما يقال عن الكفاءة في الزواج، والحديث فيه يطول، وسنذكر ما يمكن في هذه المسألة:
أولًا: إن الأصل في هذا آيات كثيرة من كتاب الله، منها قوله -عز وجل- مخاطبًا عباده: (فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ) (النساء:3)، وقال -جل في علاه-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات:13)، وقال -تقدس اسمه-: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات:10)، ولما حرم على عباده من النساء في قوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ) (النساء:23)، قال: (وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ) (النساء:24)، كما أن الأصل في هذا سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقوله: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد، قالوا: يا رسول الله، وإن كان فيه؟ قال: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، ثلاث مرات)([1])، وقد أتبع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذا القول بالفعل، فزوج أم المؤمنين زينب من مولاه زيد بن حارثة، وزوج المقداد من ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب وقال -عليه الصلاة والسلام-: (يا بني بياضة، أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه» قال: وكان حجامًا)([2])، وتوكيدًا لشرعة الإسلام ومساواته بين المؤمنين وعدم التفريق بينهم، رغم ما يرونه من منازلهم وقوتهم وشرفهم، فخطب -عليه الصلاة والسلام- زينب بنت جحش لزيد بن حارثة، فأبت وأبى أخوها لنسبها ومنزلتها في قريش، كيف لا وهي ابنة عمة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-فأمها أميمة بنت عبد المطلب زعيم قريش، فأنزل الله قوله: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا) (الأحزاب:36)، فقال أخوها عبد الله: يا رسول الله، مرني بما شئت، فزوجها -عليه الصلاة والسلام- من زيد)([3])، وزوج عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- أخته من بلال بن رباح، وهكذا كانت سيرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته، وفوق كل ذلك كله شرع الله وحكمته في عباده، وعلمه بما ينفعهم وما يضرهم، فدل ما ذكر على أن الكفاءة في الدين، وأن الناس كما يقول علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- بعضهم أكفاء لبعض، عربيهم وعجميهم قرشيهم وهاشميهم إذا أسلموا وآمنوا.
أما الفقهاء:
ففي مذهب الإمام مالك: أن الكفاءة في صلاح الرجل ودينه([4])، وعامتهم على هذا.
أما في المذهب الحنفي والشافعي: فالكفاءة في النسب([5])، ومن قال بهذا استدل بما روي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: العرب بعضهم أكفاء لبعض)([6]). وهذا الحديث ضعيف ومعروف ضعفه عند المحدثين، ولما سئل الإمام أحمد عن أخذه بهذا الحديث مع أنه يضعفه قال: إنه يوافق العرف، أي أن في أصحاب الصنائع الدنيئة نقصًا يلحقهم، وقد جرى عرف الناس بالتعبير بذلك.
فخلاصة ما ذكر أن الكفاءة في الدين وليست في حكم العرف؛ لأن الأعراف والتقاليد تتغير تبعًا لتغير المجتمعات؛ بفعل التحولات في حياتها، فلم تعد الحياكة([7]) مثلًا تعمل باليد، بل تصنع بالآلات، ولم تكن الدباغة كذلك تعمل باليد، بل تصنع في المصانع الكبيرة، فما كان يعد في الماضي من الصنائع الدونية أصبح في الوقت الحاضر من الصنائع الشريفة، وأصبح أصحابها من الأثرياء والشرفاء.
والحديث في هذا يطول، والحاصل أن من واجب الأب أن يزوج ابنته لمن هو كفء لها في دينه وخلقه، فإن لم يفعل أصبح عاضلًا لها، وفي هذا مخالفة لأمر الله في قوله -عز ذكره- (ولا تعضلوهن)، فإن لم يفعل جاز لها جعل ولايتها في القضاء، وهي بذلك لن تأثم -إن شاء الله-؛ لأن من حقها أن تتزوج ممن هو كفء لها في دينه وخلقه، كما قال ذلك رسول الهدى -صلى الله عليه وسلم-.
والله -تعالى- أعلم.
[1] – أخرجه الترمذي برقم (1085)، حسنه الألباني في التعليقات الرضية، (١٤٣/٢).
[2] – أخرجه الحاكم في المستدرك برقم (2693)، والحديث صحيح على شرط مسلم، وقال الذهبي الذهبي، المهذب في اختصار السنن، (٥/٢٧١٠): إسناده صالح.
[3] – أخرجه الدار قطني برقم (3796)، قال الزيلعي في تخريج الكشاف، (٣/١٠٩): غريب بهذا اللفظ.
[4] – التاج والإكليل 5/ 106، ومنح الجليل 2/ 45.
[5] – فتح القدير 2/ 424، وحاشية ابن عابدين 3/ 96و تحفة المحتاج 7/ 278 – 281، ونهاية المحتاج 6/ 256 – 258
[6] – أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم (13770)، قال ابن الجوزي في العلل المتناهية، (٢/٦١٨): لا يصح.
[7] – حِرْفَةُ الحَائِكِ، أيْ نَسْجُ الثِّيَابِ