الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فظاهر سؤال الأخت عن ممارسة المرأة للتجارة ومدى جواز ذلك. والأصل أنه لا فرق في ذلك بين الرجال والنساء، فللمرأة أن تبيع وتشتري الأشياء المباحة، مثلها في ذلك مثل الرجل، فلها أن تتجر كما كانت خديجة زوجة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- – تفعل، وامتدت تجارتها إلى الشام، ولها أن تزرع كما ذكر جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- أن خالته كانت في العدة فأرَادَتْ أَنْ تَجُذ نَخْلَهَا، فَزَجَرَهَا رَجُلٌ أَنْ تَخْرُجَ، فأتَتِ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقالَ: بَلَى فَجذي نَخْلَكِ، فإنَّكِ عَسَى أَنْ تَصَدَّقِي، أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا([1]).
وكانت قيلة([2]) تستفتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في كيفية بيعها وشرائها، فقد روي أنها قالت: (أتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بعض عمره عند المروة، فقلت: يا رسول الله، إني امرأة أبيع وأشتري فإذا أردت أن أبتاع الشيء سمت به أقل مما أريد، ثم زدت ثم زدت حتى أبلغ الذي أريد، وإذا أردت أن أبيع الشيء سمت به أكثر من الذي أريد، ثم وضعت حتى أبلغ الذي أريد، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا تفعلي يا قيلة، إذا أردت أن تبتاعي شيئًا فاستامي به الذي تريدين، أعطيت أو منعت، وإذا أردت أن تبيعي شيئًا فاستامي به الذي تريدين، أعطيت أو منعت)([3]). وتتعاقد و تستدين، فكانت أم المؤمنين خديجة بنت خويلد زوجة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تاجرة وامتدت تجارتها إلى الشام، وكان نساء الصحابة يتملكن المزارع ويحرصن على النخيل والتمور، وكان هذا على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن بعده من خلفائه وصحابته -رضوان الله عليهم-.
هذا في عموم المسألة، أما عن سؤال الأخت السائلة فإنه يجوز للمرأة ممارسة التجارة بأنواعها فيما أحل الله، والفارق بينها وبين الرجل خصوصية المرأة وحياؤها وعفتها وعدم اختلاطها بالرجال الأجانب.
والله -تعالى- أعلم.
[1] أخرجه مسلم (1483)، وأبو داود (2297) واللفظ له، والنسائي (3550)، وابن ماجه (2034)، وأحمد (14444).
[2] قيلة الأنمارية: يقال لها أم بني أنمار، وأخت بني أنمار.وقال الطّبريّ العقيلية، وقال ابن أبي خيثمة الأنصاريّة: أخت بني أنمار، لها صحبة، وأخرج حديثها هو وابن ماجه، من طريق عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم، عنها، قالت: رأيت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم عند المروة يحل من عمرة له، فقلت: إني امرأة اشتري وأبيع فأستام أكثر مما أريد ثم أنقص… الحديث. وفيه: «لا تفعلي».
وأخرجه ابن سعد من طريق ابن خثيم مطولًا، وأخرجه ابن السكن، ووقع في روايته أن عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم قال: إنه سمع قيلة.
وقال الفاكهيّ: دار أم أنمار بمكة، وكانت برزة من النساء بأخرة.
ينظر:الاصابة في تمييز الصحابه لابن حجر 8/291.
[3] حاشية السندي على سنن ابن ماجه ج2 ص 21،رقمه(2204)، ضعفه الألباني في ضعيف ابن ماجه، (٤٣١).