سؤال من الأخت د.ت. من الجزائر، تقول: هل يصح للمرأة أن تقدم نفسها للزواج؟

إعلان المرأة عن رغبتها في الزواج

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فإن من المشهود حاليًّا إعلان المرأة في وسائل الإعلام من رغبتها في الزواج منها، وقد دعت إلى هذا الإعلان أسباب كثيرة:

منها: كثرة الفتيات في البيوت، وعزوف الشباب عن الزواج؛ لأسباب عدة:

منها: سفرهم إلى خارج بلادهم واستقرارهم في البلاد التي ذهبوا إليها.

ومنها: شكواهم من أوضاع بلادهم الاقتصادية وعدم قدرتهم على إعالة أنفسهم ومن يعولون.

ومن أسباب عزوف الشباب عن الزواج في بلادهم: ضعف التخطيط الاجتماعي لمواجهة مشكلات الشباب وتعرف أحوالهم؛ مما أوجد كثيرًا من المشكلات في بعض بلاد المسلمين؛ نتج منها كثرة النساء بلا أزواج، وهو أمر له مخاطره وآثاره الضارة في أوضاع الأمة بكاملها، وهذا في العموم.

أما سؤال الأخت، فالأصل جواز إعلان المرأة عن نفسها للزواج، إما مباشرة كما عرضت امرأة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الزواج منها، ما ورد عن ثابت البناني قال: كنت عند أنس وعنده بنت له، فقال أنس: «جاءت امرأة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- تعرض عليه نفسها، فقالت: يا رسول الله، ألك بي حاجة؟ فقالت بنت أنس: ما أقل حياءها! واسوأتاه، واسوأتاه! فقال أنس: هي خير منك، رغبت في النبي -صلى الله عليه وسلم- فعرضت نفسها عليه([1]).

وإما عن طريق الولي، فقد عرض عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لأبي بكر عن الزواج من ابنته حفصة، ثم عرض عنها لعثمان -رضي الله عنهما- فسكتا لأنهما كانا يعرفان أن لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- رغبة في الزواج منها؛ لما رواه عبد الله بن عمر -رضي الله عنه-: (أن عمر بن الخطاب حين تأَيَّمَتْ (مات زوجها) حفصة بنت عمر من خُنَيْس بن حذافة السهمي، وكان من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فَتُوُفِّيَ بالمدينة، فقال عمر بن الخطاب: أتيتُ عثمان بن عفان فعرضْتُ عليه حفصة (ليتزوجها)، فقال: سأنظر في أمري، فلبثتُ ليالي ثم لقيني، فقال: قدْ بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيتُ أبا بكر الصديق، فقلتُ: إن شِئْتَ زوجتك حفصة بنت عمر، فصمتَ أبو بكر فلم يرجع إليَّ شيئًا، وكنتُ أَوْجَدَ (أغضب) عليه مني على عثمان، فلبثت ليالي، ثم خطبها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأنكحتها إياه فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وَجَدْتَ (غضبت) عَلَيَّ حين عرضتَ عليَّ حفصة فلم أرجع إليك شيئاً؟ قال عمر: قلتُ: نعم، قال أبو بكر: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك (أجيبك) فيما عرضتَ عليَّ إلا أني كنتُ علمتُ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد ذكرها، فلم أكن لأُفْشِيَ سِرَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولو تركها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قَبِلْتُهَا)([2]).

وقد درج العديد من السلف والخلف على عرض الزواج من مولياتهم لمن يرونه كفئًا لهم في دينهم وأخلاقهم، وفي هذا العصر الذي تقارب فيه الاتصال، ربما أصبح من السهل تسهيل أمور الزواج.

فالحاصل أنه لا بأس للمرأة أن تقدم نفسها للأزواج ممن تعتقد صلاحه في دينه وخلقه، ولكن هذا ينبغي أن يكون عن طريق وليها أو قريبها أو أحد معارفها، أو عن طريق النساء المتخصصات في هذا الشأن، أو يكون الإعلان المستتر عن طريق الجمعيات الخيرية المتخصصة في أمور الزواج، فهذا كله مطلوب.

أما الإعلان عن طريق وسائل الإعلام المسموعة والمرئية، وتفصيل كل شيء عن المرأة و أسرتها وكشف أسرارها للعامة، كما يشاهد في بعض الإعلانات عن الزواج، فهذا مما يؤثر في كرامتها وعزتها، فلعل الأفضل والأكرم للمرأة أن يكون تقديم نفسها للزواج بالوسائل الكريمة المشار إليها ونحوها.

والله -تعالى- أعلم.

[1] – أخرجه البخاري برقم (5120).

[2] – أخرجه البخاري برقم: (5122).