بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبعد:
فالمطلقة، إما أن تكون ذات رجعة، وإما بائنًا، وإما ذات حمل، فعلى من كان طلاقها رجعيًّا أو كانت بائنًا أن تعتد، أي تنتظر مدة الطهر من الحيض لكي يستبرأ ما في رحمها، أما من كانت ذات حمل، فتعتد إلى أن ينتهي حملها، والأصل في ذلك قول الله –عز وجل-: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيم} [البقرة: 228]، وفي هذه الآية خمسة أحكام:
الأول: أن على المطلقة طلاقًا رجعيًّا أن تعتد مدة الحيض؛ حتى يستبرأ ما في رحمها من زوجها.
الحكم الثاني: أن على المطلقة ألا تكتم مدة الحيض، كأن تقول ما حضت إلا حيضتين مثلًا وهي قد حاضت ثلاث حيضات لكي ترجع إلى زوجها، ولا تقول حضت ثلاث حيضات، وهي لم تحضها، لكي لا ترجع لزوجها. كما أن عليها ألا تكتم مدة الحمل، إما لكي تسقطه، وإما لكي تنسب ما في رحمها من الولد إلى الزوج الآخر.
الحكم الثالث: أن للزوج حق مراجعتها خلال هذه المدة، وذلك مشروط بأنهما يريدان من المراجعة الإصلاح وحسن العلاقة وطيب العشرة بينهما، وألا يكون هدفهما من المراجعة الإضرار، كما يفعل بعض الأزواج والزوجات بصاحبه.
الحكم الرابع: أن للزوجة على الزوج من الحقوق مثل ما له عليها.
الحكم الخامس: أن الزوج ينفرد بحق القيومية على الزوجة، كما قال –عز وجل-: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء} [النساء: 34].
أما من كان طلاقها بائنًا، فعليها أن تعتد مدة الحيض مثلها في ذلك مثل ذات الرجعة، ثم تنتظر لتتزوج من آخر، ولا يحل لها أن تعود لزوجها الأول، فإن فعلت فنكاحها باطل، والأصل في ذلك قول الله –تعالى-: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230]. بنكاح صحيح غير محلل أو بعد وفاة الزوج الثاني أو طلاقه لها، والأصل فيه أيضًا قول رسول الله ﷺ: «حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك»([1]).
أما المطلقة الحامل فعدتها بانتهاء حملها؛ عملًا بقول الله -عز وجل-: {وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]، فإن كان طلاقها رجعيًّا فللزوج حق مراجعتها خلال هذه المدة، وفق الأحكام السابقة أما إن كان طلاقها بائنًا، فتنتظر إلى نهاية مدة الحمل.
هذه في الإجمال أحكام العدة للمطلقة ذات الرجعة، والمطلقة بينونة كبرى.
أما سؤال الأخت عن الجائز وغير الجائز للمطلقة، وهي في العدة، فللمطلقة ذات الرجعة أن تجلس في بيت مطلقها، فلربما يكون ذلك أقرب لمراجعتها، ولها أن تجلس في بيت أهلها ولها الخروج في أثناء العدة لحاجتها وزيارة أهلها، ولها كافة الحقوق المشروعة كالعمل ونحوه، مما هو معتاد في مثل هذه الحالة.
كما أن للمطلقة الحامل حق السكن والنفقة حتى تضع حملها، والأصل في ذلك قول الله –عز وجل-: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُولاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 6]، فإذا وضعت حملها فلها الخيار إن شاءت أرضعت له ولده بأجر يتفقان عليه، وإن أراد غير ذلك جعل لولده مرضعة غيرها، فإن تشاحا في الأجر، فلم يتفقا عليه فيضع له مرضعة أخرى، والأصل فيه قول الله –عز وجل-: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} [الطلاق: 6].
أما المطلقة البائنة فلم يقض لها رسول الله ﷺ بشيء، والأصل فيه حديث فاطمة بنت قيس أخت الضحاك: فعن فاطمة بنت قيس أنه طلقها زوجها في عهد النبي ﷺ، وكان أنفق عليها نفقة دون فلما رأت ذلك قالت: والله لأعلمن رسول الله ﷺ فإن كان لي نفقة أخذت الذي يصلحني وإن لم تكن لي نفقة لم آخذ منه شيئًا، قالت: وذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: (لا نفقة لك ولا سكنى)([2]). فلم يبق بينهما إلا مراعاة العشرة السابقة وبذل المعروف من الزوج لمطلقته؛ ذلك أن للطلاق آثارًا صعبة فقد تكون المطلقة غير ذات أهل وقد تكون محتاجة أو مريضة، فالإحسان إليها وبذل المعروف لها وعدم نسيان ما كان بينهما، أقرب للتقوى، وقد حث الله على ذلك بقوله -عز وجل-: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِين} [البقرة: 241] وقوله -عز ذكره-: {وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237]،
وأما غير الجائز للمطلقة، فيحرم عليها أن تتزوج أو تخطب في العدة باستثناء التعريض، ممن يريد الزواج منها. كما يحرم عليها أن تكتم مدة حيضها، فتنقص منه لكي تسرع في العودة إلى زوجها أو تزيد فيه، لكي لا ترجع إليه، فالعدة أمانة في يدها فإذا أخلت بهذه الأمانة أثمت. كما أن من الواجب عليها الاستجابة لمراجعة زوجها لها؛ لأنه أحق بها من غيره، ما دامت في العدة على أن يلتزما بحسن الصحبة والمودة وحسن العشرة، كما أن عليها إدراك حق زوجها في القوامة عليها([3]).
وخلاصة المسألة: إن عدة المطلقة ذات الرجعة أو البائن ثلاث حيضات، وعدة ذات الحمل مدته، ويجوز للمطلقة ذات الرجعة أن تجلس في بيت زوجها أو في بيت أهلها، ولها الخروج في أثناء العدة لحاجتها وزيارة أهلها، ولها كافة الحقوق المشروعة كالعمل ونحوه.
كما أن للمطلقة الحامل حق السكن والنفقة حتى تضع حملها، فإذا وضعته لها الخيار إن شاءت أرضعت ولد الزوج بأجر، فإن اختلفا في الأجر جعل له مرضعة أخرى، أما غير الجائز للمعتدة، فيحرم عليها أن تتزوج خلال العدة أو تُخْطَب، باستثناء التعريض بالخطبة ممن يريد الزواج منها. كما يحرم عليها أن تزيد في مدة الحيض أو تنقص منه؛ لأن مدته أمانة لديها، كما أن من الواجب عليها أن تستجيب لزوجها إذا أراد مراجعتها مع إدراك حقه في القوامة عليها.
والله تعالى أعلم.
([1]) أخرجه البخاري في كتاب الشهادات، باب شهادة المختبئ برقم(2639) فتح الباري ج5 ص295. وكامل الحديث ما روي عن عائشة -رضي الله عنها- أنه جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى النبي ﷺ فقالت: كنت عند رفاعة فطلقني، فأبت طلاقي، فتزوجت عبدالرحمن بن الزبير إنما معه مثل هدبة الثوب فقال: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك».
([2]) أخرجه مسلم في كتاب الطلاق، باب المطلقة ثلاثاً الا نفقة لها برقم (1480) صحيح مسلم بشرح الأبي والسنوسي ج5 ص227.
([3]) ينظر فيما سبق: اللباب في شرح الكتاب في المذهب الحنفي ج3 ص8-91 والاختيار لتعليل المختار ج3 ص172-177 والكافي في فقه أهل المدينة المالكي ج ص292-296. وأسهل المدارك شرح إرشاد السالك ج2 ص182-.195 والمهذب في فقه الإمام الشافعي ص 93-103.والعدة شرح العمدة في فقه إمام السنة أحمد بن حنبل ص424-433. والروض المربع شرح زاد المستقنع ج3 ص205-215.