سؤال من الأخت ح.ن. من الجزائر تقول: هل الزواج أفضل أم الانشغال بالعبادة؟

حكم الانصراف إلى العبادة دون الزواج

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا ورسولنا محمد، أما بعد:

فإن الزواج من العبادة، فقد اقتضت سنة الله وحكمته أن يكون الزواج أصلا في حياة المخلوقات، فقال جل في علاه: (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (الذاريات:49)، وجعل تقدس اسمه الزواج بين البشر آية من آياته العظام فقال: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً) (النحل:72)، وقال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم:21)، أي لا يعلم ذلك إلا أصحاب العقول الذين يدركون بفطرتهم فوائد ومنافع هذا الزواج، ومنها إعمار الأرض وعبادة الله فيها تحقيقا لحكمته بقوله تعالى: (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ) (هود:61).

والإسلام دين حياة ودين عمل والمسلم مطالب بأن يعمل لدنياه، كما يعمل لأخراه، فقد كان الصحابة -رضوان الله عليهم- يعملون ويتاجرون وعبادة الله جزء كبير من حياتهم ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يعمل في مبتدأ حياته، وكان يأمرهم بالزواج قال عليه الصلاة والسلام: “تزوَّجوا الوَدودَ الولودَ فإنِّي مُكاثرٌ بِكُمُ الأُممَ”([1])، و رأى بعض الصحابة عبادة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه أنس بن مالك -رضي الله عنه-قال: ” جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إلى بُيُوتِ أزْوَاجِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، يَسْأَلُونَ عن عِبَادَةِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقالوا: وأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-؟! قدْ غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأَخَّرَ، قالَ أحَدُهُمْ: أمَّا أنَا فإنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أبَدًا، وقالَ آخَرُ: أنَا أصُومُ الدَّهْرَ ولَا أُفْطِرُ، وقالَ آخَرُ: أنَا أعْتَزِلُ النِّسَاءَ فلا أتَزَوَّجُ أبَدًا، فَجَاءَ رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إليهِم، فَقالَ: أنْتُمُ الَّذِينَ قُلتُمْ كَذَا وكَذَا؟! أَمَا واللَّهِ إنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وأَتْقَاكُمْ له، لَكِنِّي أصُومُ وأُفْطِرُ، وأُصَلِّي وأَرْقُدُ، وأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليسَ مِنِّي”([2]).

فالزواج جزء من العبادة بل هو عبادة في الأصل؛ لأنه من أمر الله وسنته في خلقه وهو آكد وأعظم أجرا؛ لأنه من عمارة للأرض والعبادة فيها.

هذا في عموم المسألة: أما عن سؤال الأخت فالزواج أفضل من الانقطاع للعبادة؛ لأنه في الأصل عبادة وطاعة لله وطاعة لرسوله، فمن يرغب عنه فإنما يرغب عن سنة الله في خلقه وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- في أمره وفعله.

والله تعالى أعلم.

 

[1] أخرجه أبو داود (2050) واللفظ له، والنسائي (3227) وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود: ” حسن صحيح” (2050).

[2] أخرجه البخاري(5063).