الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا ورسولنا محمد، أما بعد:
فالمستنتج من السؤال أن والد الأخت السائلة سبق أن اقترض قرضا من أحد البنوك واشترى بهذا القرض أرضا على أساس بنائها وتوفي قبل أن يعمر الأرض، وبعد وفاته سدد ورثته القرض للبنك وبقي من قيمة الأرض مبلغ، ويريد الورثة قسمته بينهم إلا أن الأخت السائلة تريد إنفاقه في وجوه الخير رحمة بوالدها هذا هو السؤال.
والجواب: أن الربا من أشد المحرمات، وقد مقته الله جل في علاه بقوله: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ} [البقرة: 276].
وكما مقته الله و حرمه على عباده في قوله تقدس اسمه: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ} [البقرة: 275]، وجعل عزوجل متعاطيه من المحاربين له ولرسوله في قوله عز ذكره: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ*فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة: 278-279]. هذه أحكام الربا في كتاب الله.
أما في سنة رسوله: فيما رواه جابر بن عبد الله -رضي الله عنه-أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعَنَ آكل الرِّبا ومُوكِلَهُ وكاتِبَهُ وشَاهِدَيهِ وقالَ هُم سَواءٌ)([1]). وما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه-أيضا أنَّ رَسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قال: “اجتَنِبوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ. قيل: يا رَسولَ اللهِ، وما هُنَّ؟ قال: الشِّركُ باللهِ، والسِّحرُ، وقَتْلُ النَّفسِ التي حرَّم اللهُ إلَّا بالحَقِّ، وأكْلُ الرِّبا، وأكْلُ مالِ اليَتيمِ، والتوَلِّي يومَ الزَّحفِ، وقَذْفُ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤمِناتِ”([2]).
وقد أجمع المسلمون في مختلف عصورهم على تحريم الربا في تجارتهم وعقودهم فقال الزَّيلعيُّ رحمه الله: (الرِّبا محرَّمٌ بالكتابِ والسُّنَّةِ وإجماعِ الأمَّةِ)([3])، وقال أبو الوليدِ الباجيُّ رحمه الله: (إنَّ رِبا الجاهليَّةِ كان أنْ يقولَ الَّذي له الدَّينُ عندَ أجَلِه للذي عليه الدَّينُ: أتَقْضي أمْ تُربي؟ يُريدُ: يَزيدُ في الدَّينِ، فإنِ اختارَ أنْ يَزيدَه في الدَّينِ ليَزيدَه في الأجَلِ فعَلَ، وهذا ممَّا لا خلافَ بينَ المسلمينَ في تحريمِه)([4])، وقال النووي رحمه الله: (أجمَعَ المسلمونَ على تحريمِ الرِّبا، وعلى أنَّه منَ الكبائرِ)([5])، وقال ابنُ قُدامةَ رحمه الله: (فصلٌ: والرِّبا على ضربَينِ: رِبا الفَضلِ، ورِبا النَّسيئةِ. وأجمعَ أهلُ العلمِ على تَحريمِهما)([6]).
هذا في عموم المسألة: أما الجواب على السؤال: فالواضح أن القرض الذي تم التعامل به قرض ربوي، وقد تحول إلى أرض فما بقي منه يعد فرعا من أصله، وما يجري على الأصل يجري على الفرع، أي أن ربوية القرض في أصله تمتد إلى فرعه وهي الأرض.
ومع أن الورثة قد لا يهتمون بما فعله أبوهم، فيقتسمون ما بقي من قيمة الأرض على أساس أن ما بقي من قيمة الأرض حق لهم من الإرث، إلا أن من البر بوالدهم أن يجعلوا ما بقي من قيمة الأرض لصالح أبيهم، فيدفعوه للنفع العام مثل دور الأيتام وما في حكمها من الجمعيات الخيرية، فذلك خير لهم وخير لأبيهم، فإذا أشكل عليهم الأمر فليسألوا الحاكم الشرعي لديهم .
والله تعالى أعلم.
[1] – أخرجه مسلم برقم : ( 1598).
[2] -أخرجه البخاري (2766)، ومسلم (89).
[3] -تبيين الحقائق (4/85).
[4] -المنتقى شرح الموطأ (5/65).
[5] -المجموع (9/391).
[6] – المغني (4/3).