الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه ورسوله الأمين محمد، وعلى آله و أصحابه أجمعين، أما بعد:
فإن من طبيعة المرأة وكينونتها الرغبة في أن تتعامل مع مثيلاتها، وتجفل من الرجال رغم الاستثناءات التي لا تؤثر في هذه الطبيعة في عمومها، وهنا هل يجوز للمرأة المتخصصة في الطب أن تعالج الرجال؟ ربما يقول قائل: الأفضل لها أن تعالج النساء فحسب، وربما يقول قائل آخر: ليس هناك ما يمنع المرأة الطبيبة من معالجة الرجال، ويدخل تحت هذه المسألة استدلالات كثيرة، من واقع المكان والزمان، ونظرة الناس وما يحيط بهم في هذا الواقع من أعرافهم وتقاليدهم، ومع كل ذلك، فالمرأة المسلمة منذ أزمنة السلف الصالح وهي تتعامل مع الواقع الذي تكون فيه، ففي وقت السلم كانت زوجات رسول الله -صلى الله عليه وسلم-يتعاملن مع الصحابة، وفق ما رسمه لهن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فينقلن ما عرفن عنه -عليه الصلاة والسلام- من قول أو فعل أو تقرير، وفي وقت الحرب كان نساء الصحابة- ومن بعدهم- يداوين الجرحى ويساعدن المرضى، وفق الأسس التي كان عليها زوجات رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والشاهد فيه قول الرُّبيع بنت معوذ – -رضي الله عنها-: “كنا نغزو مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فنسقي القوم، ونخدمهم، ونرد الجرحى والقتلى إلى المدينة([1])، ورواية أنس -رضي الله عنه- عن يوم أحد لما انهزم الناس: لَمَّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ، انْهَزَمَ النَّاسُ عَنِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، قالَ: وَلقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بنْتَ أَبِي بَكْرٍ، وَأُمَّ سُلَيْمٍ وإنَّهُما لَمُشَمِّرَتَانِ، أَرَى خَدَمَ سُوقِهِما تَنْقُزَانِ القِرَبَ، وَقالَ غَيْرُهُ: تَنْقُلَانِ القِرَبَ علَى مُتُونِهِمَا، ثُمَّ تُفْرِغَانِهِ في أَفْوَاهِ القَوْمِ، ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلَآَنِهَا، ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِهَا في أَفْوَاهِ القَوْمِ([2])، وقول أنس بن مالك -رضي الله عنه- أيضًا: كان رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-يغزو بأمِّ سُلَيمٍ ونسوةٍ معها من الأنصارِ يَسقين الماءَ ويُداوين الجرحَى([3]).
وهذا هو الأصل، وكون المرأة المتخصصة في الطب أصبحت تعالج الرجال لا يغير في هذا الأصل، ولكن هذه المعالجة تخضع – كما ذكر- للأسس والأصول الشرعية، ومنها وجوب الستر والعفاف والحجاب، ومراعاة الأحوال، ودفع كل ما يؤدي إلى الفتنة، والأصل فيه نهي الله -عز وجل- لنساء رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- عن الخضوع في القول؛ دفعًا لطمع من يكون في قلبه مرض، وأن يكون قولهن قولًا معروفًا قال -عز ذكره -: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا) (الأحزاب:32)، فهذا النهي نهي لأمة محمد -صلى الله عليه وسلم- في كل زمان ومكان، فإذا فعلت المرأة ذلك فليس عليها حرج -إن شاء الله- إذا عالجت المرضى من الرجال.
والحاصل: أنه ليس هناك ما يمنع الأخت في السؤال من معالجة الرجال، فليس عليها حرج في ذلك -إن شاء الله- طالما أنها تلتزم بالأسس والأصول المشار إليها، فبارك الله في علمها وحرصها على دينها.
والله -تعالى- أعلم.
[1] أخرجه البخاري، رقمه (5679).
[2] أخرجه البخاري، رقمه (2880).
[3] أخرجه مسلم، رقمه (1810).