الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا ورسولنا محمد، أما بعد:
فالجواب: أن هناك خلافًا بين الفقهاء – رحمهم الله- في هذه المسألة؛ فمنهم من قال إن عدتها حيضة واحدة؛ لقصة ثابِتَ بن قَيسِ بنِ شَمَّاسٍ مع زوجته، حيث أمَرَها رَسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أن تتربَّصَ حَيضةً واحِدةً وتَلحَقَ بأهلِها([1])، وفي روايةٍ: عن الرُّبَيِّعِ بنتِ مُعَوِّذِ بنِ عَفراءَ: (أنَّها اختلَعَت على عهدِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فأمَرَها -عليه الصلاة والسلام -أو أُمِرَت- أن تعتَدَّ بحَيضةٍ)([2])، كما يرى أصحاب هذا القول أن المختلعة تكتفي في عدتها بحيضة واحدة، وقد ذهب إلى هذا القول عدد من الصحابة -رضوان الله عليهم- منهم عثمان بن عفان، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، والربيع بنت مُعَوِّذِ، وقال به بعض التابعين، منهم إسحاق بن راهويه([3])، وهو إحدى الروايتين في مذهب الإمام أحمد([4])، وقاله به أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية ما نصه: “هذا الذي دلَّ عليه القرآنُ والسُّنَّةُ وآثارُ أكابِرِ الصَّحابةِ -كعثمان وغيره- من أنَّ عِدَّةَ المُختَلِعةِ حَيضةٌ واحِدةٌ”([5]).
أما القول الثاني لبعض الفقهاء فيه أن المختلعة تعتدُّ بما تعتدُّ به المطلقة، وهو ثلاثةُ قروء (ثلاث حيض) إن كانت من ذوات الحيض، أو بوَضْع الحمل إن كانت حاملاً أو غير ذلك،وبهذا الرأي قال الحنفية، واستدلوا في ذلك بعموم قوله -تعالى-: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} (البقرة:228)، وقالوا: “إن الخلع فرقة بين الزوجين في الحياة بعد الدخول، فكانت العدة ثلاثة قروء كغير الخلع”([6])، قال أبوجعفر الطحاوي: “والعدة في الخلع كالعدة في الطلاق”([7])، وقال به الإمام مالك([8])، وقال ابن عبد البر: “وعدة المختلعة والملاعنة والمرتدة وامرأة المرتد وكل من يلحقها طلاق أو فسخ نكاح كعدة المطلقة”([9]).
وقال الإمام الشافعي: “وَالْمُخْتَلِعَةُ مُطَلَّقَةٌ فَعِدَّتُهَا عِدَّتُهَا، وَلَهَا السُّكْنَى وَلَا نَفَقَةَ لَهَا؛ لأن زَوْجَهَا لَا يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ”([10])، والإمام أحمد في الرواية الثانية([11])، قال ابن قدامة: ” وكل فرقة بين زوجين فعدتها عدة الطلاق، سواء كانت بخلع أو لعان أو رضاع أو فسخ بعيب أو إعسار، أو إعتاق أو اختلاف دين أو غيره، في قول أكثر أهل العلم”([12])، وقال أيضًا في معرض رده على القائلين بأن عدة المختلعة حيضة واحدة: “وحديثهم يرويه عكرمة مرسلاً، قال أبـو بكـر: هـو ضـعيف مرسـل، وقول عثمان وابن عباس قد خالفه قول عمر وعلـي، فإنهمـا قـالا: عـدتها ثـلاث حـيض،وقولهما أولى”([13])، وهو مذهب الظاهرية، قال أبو محمد بن حزم: “أما حديث عبد الرزاق الذي ذكرنا آنفًا فساقط؛ لأنه مرسل – وفيه عمرو بن مسلم – وليس بشيء، وأما خبر الربيع وحبيبة – فلو لم يأت غيرهما لكانا حجة قاطعة، لكن روينا من طريق البخاري نا أزهر بن جميل نا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس ((أن امرأة ثابت بن قيس أتت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله: أتردين عليه حديقته؟ فقالت: نعم؟ قال رسول الله: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة))، فكان هذا الخبر منه زيادة على الخبرين المذكورين، والزيادة لا يجوز تركها، وإذ هو طلاق، ذكر الله -عز وجل- عدة الطلاق، فهو زائد على ما في حديث الربيع، والزيادة لا يجوز تحريمها.
وأما من قال: إن الخلع طلاق رجعي([14])، فقال الترمذي في سننه: “واختلف أهل العلم في عـدة المختلعـة، فقـال أكثـر أهـل العلـم من أصحاب النبي -صلى االله عليه وسلم- وغيـرهم: إن عـدة المختلعـة عـدة المطلقـة ثـلاث حيض، وهو قول سفيان الثوري، و أهل الكوفة، وبه يقول أحمد وإسحق”([15])، قـال أبـو داود: “عدة المختلعة عدة المطلقة، والعمل عندنا على هذا”([16]).
وقـال القرطبـي: ” قلت: وهو مذهب مالك و الشافعي و أحمد و إسحاق والثوري وأهل الكوفة”([17]).
قلت: ولعل القول الثاني القائل أن عدة المختلعة ثلاث حيض هو الصواب، والشواهد له كثيرة: منها أن الخلع يفضي إلى الفرقة بين الزوجين فهو طلاق، وقد جعل الله عدة الطلاق ثلاث حيض والتشدد في العدة مما يجب؛ لما فيه من القطع ببراءة الرحم، ناهيك عما يؤدي إليه الخلع من هدم كيان الأسرة، ومن هذه الشواهد أن انتقال الزوجة المختلعة إلى زوج آخر خلال عدة أيام مما تنفر منه الطباع و الأسماع، ومن الشواهد التي تجعل المختلعة تتربض ثلاث حيض تغير الأحوال والزمان، ففي الماضي ما كانت المرأة تلجأ إلى طلب الخلع إلا بعد عسرها مع زوجها، وعدم قدرتها على استمرار العشرة بينهما، أما في هذا الزمان، فإن الزوجة تريد الخلع لمجرد الخلع، ربما دون سبب، ومع وجود الحاسب الآلي لا تحتاج المرأة إلا إلى الرفع للقضاء عن طريق الحاسب، وخلع زوجها بهذه السهولة، رغم ما قد يكون أمامها من إجراءات القضاء، أو الأسباب الأخرى، ومن الشواهد للقول إن الثلاث حيض تؤكد براءة الرحم.
ومن هذه الشواهد أن الحفاظ على الأسرة من مقاصد الشريعة ومقتضاها، وقد أباح الله للمرأة الخلع من زوجها إذا خافت بأن لا تقيم ما أوجب الله عليها من حسن المعاشرة، وهو أصل قوله -تعالى-: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة:229). وفي هذا تشديد على أمر الخلع.
والله -تعالى- أعلم.
[1] أخرجه النسائي (3497) واللفظ له، وأبو عوانة في ((المسند)) (4729)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (6963). قال ابن القيم في ((إعلام الموقعين)) (2/41): له طرقٌ يصَدِّقُ بعضُها بعضًا. وصحَّح الحديث الشوكاني في ((نيل الأوطار)) (7/34)، والألباني في ((صحيح سنن النسائي)) (3497).
[2] أخرجه الترمذي (1185)، والبيهقي (16014). قال الترمذي: حديثُ الرُّبَيِّع الصَّحيحُ أنَّها أُمِرَت أن تعتَدَّ بحَيضةٍ. وجَوَّد إسنادَه ابن باز في ((حاشية بلوغ المرام)) (611)، وصحَّح الحديث الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (1185).
[3] قال الترمذي: (قال بعضُ أهل العلم من أصحابِ النبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- وغيرهم: إنَّ عِدَّةَ المُختَلِعةِ حَيضةٌ، قال إسحاق: وإن ذهب ذاهِبٌ إلى هذا فهو مذهَبٌ قَويٌّ). ((سنن الترمذي)) (3/483). وقال ابنُ المُنذِر: (اختلف أهلُ العِلمِ في عِدَّةِ المُختَلِعةِ؛ فقال عثمانُ بنُ عفَّان، وابنُ عُمر: عِدَّتُها حَيضةٌ. وبه قال أبانُ بنُ عُثمانَ، وإسحاقُ بنُ راهَوَيه). ((الإشراف)) (5/360). ويُنظر: ((المغني)) لابن قدامة (8/97)، ((زاد المعاد)) لابن القيم (5/179)، ((المبدع شرح المقنع)) لإبراهيم بن مفلح (8/106).
[4] ((الإنصاف)) للمرداوي (9/204)، ((المبدع شرح المقنع)) لإبراهيم بن مفلح (8/106).
[5] ((مجموع الفتاوى)) (32/344). ويُنظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (5/179).
[6] ((المبسوط)) للسرخسي (5/133)، ((تبيين الحقائق)) للزيلعي (2/144) فتح القدير (3/ 269)،
[7] شرح مختصر الطحاوي للجصاص ج 4 ص 459.
[8] الموطأ ص 469.
[9] الكافي في فقه أهل المدينة المالكي 2/621.
[10] كتاب الأم ج5 ص 213.
[11] المغني ج 9 ص 78.
[12] المغني ج6 ص 337.
[13] المغني ج6 ص 338.
[14] المحلى ج 10 ص 239.
[15] الجامع الصحيح سنن الترمذي ج3 ص 491، قال ابن عبد البر في الاستذكار، (٥/ ٨٨): ليس بالقوي.
[16] سنن أبي داود ج 1 ص678، قال ابن عبد البر في الاستذكار، (٥/ ٨٨): ليس بالقوي.
[17] الجامع لأحكام القرآن ج 3ص134.