الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا ورسولنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فظاهر السؤال أن الأخت تريد الخلع من زوجها، وقد رفعت بذلك دعوى لدى محكمة الأحوال الشخصية، وتنتظر قرار المحكمة، وتسأل عما إذا كان عليها عدة أم أنها حرة في قضاء حاجاتها؟
والجواب: أن المختلعة التي تم خلعها تعتد بحيضة واحدة، والشاهد في هذا قصه ثابت بن قيس أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال له: خُذِ الذي لها عليك وخَلِّ سَبيلَها. قال: نعم، فأمَرَها رَسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أن تتربَّصَ حَيضةً واحِدةً فتَلحَقَ بأهلِها([1])، وقد ذهب إلى هذا عثمان بن عفان وابن عباس -رضي الله عنهم- وقد اختار هذا نفر من الصحابة والتابعين، ورواية عن الإمام أحمد([2])، وقال به شيخ الإسلام ابن تيمية([3])، والمقصود براءة رحم المختلعة من الحمل.
والشاهد فيه أيضًا مَا رَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُ سَمِعَ الربيع بنت معوذ بن عفراء وَهِيَ تُخْبِرُ عبد الله بن عمر -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا عَلَى عَهْدِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَجَاءَ عَمُّهَا إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ ابْنَةَ معوذ اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا الْيَوْمَ، أَفَتَنْتَقِلُ؟ فَقَالَ عثمان: (لِتَنْتَقِلْ وَلَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، إِلَّا أَنَّهَا لَا تَنْكِحُ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً؛ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ بِهَا حَبَلٌ ) فَقَالَ عبد الله بن عمر: فعثمان خَيْرُنَا وَأَعْلَمُنَا([4]).
وقيل إن هذا إجماع الصحابة، ومذهب بعض أهل العلم([5]).
وقيل إن المختلعة عدتها ثلاث حيض، و تعتدُّ بما تعتدُّ به المطلقة، وهو ثلاثةُ قروء إن كانت من ذوات الحيض، أو بوَضْع الحمل إن كانت حاملًا أو غير ذلك، وبهذا الرأي قال الإمامان الشافعي وأحمد في الرواية الثانية والظاهرية([6]).
هذا في عموم المسألة، أما عن سؤال الأخت فقد رفعت دعوى الخلع ولم يصدر الحكم بخلعها فتنتظر صدوره، وتقضي حاجاتها مثل أي امرأة أخرى.
أما مدة عدتها فقد تكون بحيضة واحدة، كما ورد في حديث ثابت بن قيس عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وما ذهب إليه عدد من الصحابة والتابعين -رضوان الله عليهم- أو تعتد بثلاث حيض، كما ذهب إليه جمهور العلماء من الحنفية([7])، والمالكية([8])، والشافعية([9])، ورواية عن الإمام أحمد([10])، ولعل هذا هو الأفضل والأحوط؛ وللخروج من الخلاف ولأن حال المختلعة مثل حال المطلقة لا فرق بينهما إلا أن المختلعة تفتدي نفسها بمال لهذا فإن الأحوط والأفضل أن تعتد بثلاث حيض مثل المطلقة خاصة في هذا الزمان الذي كثر فيه خلع النساء لأزواجهن، وما ينتج منه من هدم كيان الأسرة.
والله –تعالى- أعلم.
[1] -أخرجه النسائي (3497) واللفظ له، والطبراني في (المعجم الأوسط) (6963). قال ابن القيم في (إعلام الموقعين) (2/41): له طرقٌ يصَدِّقُ بعضُها بعضًا. وصحَّح الحديث الشوكاني في (نيل الأوطار) (7/34)، والألباني في (صحيح سنن النسائي) (3497).
[2] – المغني؛ لابن قدامة ج 9 ص 78، مجموع فتاوى الإمام ابن تيمية ج 32 ص 324، و” زاد المعاد لابن القيم ” ( 5 / 196، 197 ).
[3] -زاد المعاد لابن القيم (5/179).
[4] – زاد المعاد لابن القيم (5/179).
[5] المغني؛ لابن قدامة ج 9 ص 78، مجموع فتاوى الإمام ابن تيمية ج 32 ص 324.
[6] ينظر: الأم ج 5 ص 181، المغني ج 9 ص 78، المحلى ج 10 ص 239، نيل الأوطار ج 6 ص 250.
[7] ((كنز الدقائق)) للنسفي (ص: 294)، ((تبيين الحقائق)) للزيلعي (2/268).
[8] الموطأ ص 469، و((الكافي في فقه أهل المدينة)) لابن عبد البر (2/593). ويُنظر: ((حاشية الصاوي على الشرح الصغير)) (2/518).
[9] ((روضة الطالبين)) للنووي (7/374)، ((تحفة المحتاج)) لابن حجر الهيتمي (7/484).
[10] ((الإنصاف)) للمرداوي (9/204)، ((المبدع شرح المقنع)) لإبراهيم بن مفلح (8/106).