سؤال من الأخت ث.ت. من الجزائر، تقول: ما حكم الشرع في رفض الزوج تطليق زوجته بالرضا، فالزوجة تريد أن تقوم بالخلع لعدم وجود الذرية، فهي متعلقة بالتفكير في الذرية وتخاف أن تصاب بأمراض نفسية نتيجة تفكيرها الزائد بالذرية، وكذا نتيجة ظروف الأم المريضة، وكذا خشيتها لما يحدث لها من طرد في حالة -لاقدر الله- بعد وفاة الزوج؛ لأن هذا الأمر قد سبق وحدث لأختها الكبيرة. وشكرًا.

طلب المرأة الخلع

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا ورسولنا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

فظاهر السؤال أن الزوجة تريد الطلاق لرغبتها في إنجاب الذرية، والزوج لا يريد طلاقها، وتخشى أن تحدث لها أضرار نفسية.

والجواب أن الخلع في اللغة: الخلع (بالفتح) لغة هو النزع والتجريد، والخلع (بالضم) اسم من الخلع([1]).

وأما الخلع عند الفقهاء: فقد عرفوه بألفاظ مختلفة تبعًا لاختلاف مذاهبهم في كونه طلاقًا أو فسخًا.

فالحنفية يعرفونه بأنه: أخذ مال من المرأة بإزاء ملك النكاح بلفظ الخلع([2]).

وتعريفه عند الجمهور في الجملة هو: فرقة بعوض مقصود لجهة الزوج بلفظ طلاق أو خلع([3])، وكان معروفًا في الجاهلية.

فالأصل أن الزواج يقوم على العلاقة الحسنة والمعاشرة بالمعروف والسكينة، فإذا حدثت الكراهية بينهما أصبح من الواجب التغلب عليها بالصبر والتسامح، فالعبد قد يكره شيئًا وفيه خير كثير له، والزوجة كذلك كما قال -عز وجل- (وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة:216)، وقال الله -تعالى-: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) (النساء:19)، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر، أو قال: غيره)([4])، فإن لم يستطيعا ذلك فلهما أن يستعينا بمن يصلحهما وهو حكم من أهلها وحكم من أهله، كما قال -عز وجل-: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا) (النساء:35)، فإن لم يمكن الصلح فإن كانت الكراهية من الزوج فالطلاق بيده فيطلق طوعًا؛ عملًا بقول الله -عز ذكره-: (وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا) (النساء:130)، أما هي فتطلب الخلع وهنا وقفة قصيرة هي عدم إساءة كل منهما لصاحبه، وعدم نشر سرهما، وفي هذا قال -جل في علاه-: (وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (البقرة:237). وأما إن كانت الكراهية من قبل الزوجة؛ بسبب ظلم الزوج لها، أو عدم إعطائها حقوقها، أو عدم قدرته على إنجاب الذرية كما ذكر في السؤال فلها الحق في خلع نفسها، على أن ترد عليه ما دفعه لها من مهر وغيره، والأصل في ذلك قول الله -تعالى-: (وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة:229). والأصل الثاني في الخلع: أن زوجة ثابت بن شماس جاءت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله، إني لا أعتب على ثابت في دين ولا خلق، ولكني لا أطيقه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «فتردين عليه حديقته» قالت: نعم([5])، وقيل يجوز أن ترد له أكثر مما دفعه، استدل من قال بهذا بما رواه أبو سعيد الخدريِّ -رضي الله عنه- قال: كانت أختي تحت رجلٍ من الأنصار تزوَّجها على حديقة، وكان بينهما كلامٌ، فارتفعا إلى رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فقال لها: (أتردِّين حديقته؟)، قالت: نعم وأزيدها، فخلَعها، فردَّت عليه حديقتَه وزادَتْه([6])، ويرى بعض العلماء خلاف ذلك، فلا يأخذ منها إلا ما أعطاها([7])؛ استدلالًا بما رُوي عن أبي الزبير أن ثابتَ بن قيس بن شَمَّاس كانت عنده بنتُ عبدالله بن أبي ابن سلول، وكان أصْدَقَها حديقةً، فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (أتردِّين عليه حديقتَه التي أعطاكِ؟)، قالت: نعم وزيادة، فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (أما الزيادةُ، فلا، ولكنْ حديقتَه)، قالت: نعم، فأخَذها له وخلَّى سبيلها، فلما بلَغَ ذلك ثابت بن قيس، قال: قبِلتُ قضاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم-([8]).

هذا في عموم المسألة، أما عن سؤال الأخت فالطلاق والخلع مما أباحهما الله، ولكن الواجب بأن يكون هذا هو آخر العلاج في حال الشقاق والكراهية بين الزوجين، أما إذا كانت الكراهية قد تأصلت في حق الزوجة فلها الحق أن تتقدم إلى الحاكم الشرعي وتبدي رغبتها في خلع زوجها، على أن ترد له ما دفعه لها.

والله -تعالى- أعلم.

[1] – الصحاح، القاموس، اللسان، المصباح مادة: ” خلع “.

[2] – الاختيار 3 / 156، ط المعرفة، فتح القدير مع العناية 3 / 199، حاشية ابن عابدين على الدر المختار 2 / 556 – 557، تبيين الحقائق 2 / 267.

[3] – (3) جواهر الإكليل 1 / 330 – حاشية الدسوقي 2 / 347، الزرقاني 4 / 64، حاشية البناني على الزرقاني 4 / 63، أسهل المدارك 2 / 157، حاشية القليوبي 3 / 307، روضة الطالبين 7 / 374، كشاف القناع 5 / 212، الإنصاف 8 / 382.

[4] – أخرجه مسلم برقم: (1469).

[5] – أخرجه البخاري برقم: (5267).

[6] – سنن الدارقطني ج 3 ص 254، ونيل الأوطار ج 6 ص 251، وضعفه.

[7] – المغني؛ لابن قدامة ج 8 ص 175، وفتح الباري ج 9 ص 402.

[8] – نيل الأوطار ج 6 ص 246، فتح الباري شرح صحيح البخاري ج 9 ص 402، قال ابن الجوزي في تنقيح التحقيق، (٤/٣٩٤): إسناده صحيح.