بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبعد:
فهكذا وردت صيغة السؤال من الأخت السائلة، وفي ظل الواقع الأممي الحاضر، وما فيه من التداخلات المريبة، وسيطرة القوي، وقيامه بغزو الأمم المستضعفة لتغيير أنماط ثقافتها ومعارفها، بل تغيير عقائدها، لم يعد من المستغرب مثل هذا السؤال؛ لأن شواهد التاريخ دلت على أن الأمم الضعيفة تكون فريسة للأمم القوية، خاصة إذا كانت هذه الأمم لا تجد مقاومة لها فيما تصنع، وعندما نقول هذا لكي لا يستغرب هذا السؤال من الأخت السائلة، التي تحار في أمرها، بل تعذر في طرحه عندما تواجه غزوًا ثقافيًّا منظماً، لا يواجه برد مماثل من جهات التربية والإعلام والهيئات والمنظمات المسئولة في بلاد المسلمين عن تنوير الفتيان والفتيات، وهم في سن المراهقة بحقيقة دينهم، وما هو الحلال والحرام فيه.
والجواب للأخت السائلة ولكل الفتيات المسلمات اللاتي قد يداخلهن مثل هذا السؤال: إن أي علاقة بين أي فتاة وفتى غير محرم لها تعد محرمة؛ لأنه يحرم على المسلم أن يقيم أي علاقة مع أجنبية عنه، والأصل في ذلك الكتاب والسنة.
أما الكتاب: فقد بيَّن الله للمسلم الأحكام التي تحدد العلاقة بين الرجل والمرأة إذا كان غير محرم لها، ومن هذه الأحكام أنه يجب على المسلم غض بصره عن المرأة الأجنبية، ولهذا أمر الله عز وجل نبيه محمدًا ﷺ أن يبلغ أمته هذا الحكم بقوله: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} [النور: 30]، وقوله: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور: 31]، والعلة في وجوب غض البصر كونه وقاية تمنع استفزاز مشاعر المرأة والرجل؛ لأن في هذا الاستفزاز مظنة الوقوع في الإثم، أو كما قال الإمام القرطبي، إن النظر هو “الباب الأكبر للقلب، وأعمر طرق الحواس إليه، وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته، ووجب التحذير منه، وغضه واجب من جميع المحرمات([1])”، ومن هذه الأحكام تحريم السفور والتبرج، لكونه مظنة الوقوع في الخطيئة، ولهذا نهى الله أمهات المؤمنين -وهو نهي للنساء المسلمات- نهي تحريم عن التبرج بقوله عز وجل: {وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} [الأحزاب: 33]، وفي هذه الآية حكمان:
أولهما: النهي عن التبرج من حيث العموم.
وثانيهما: النهي عن تبرج نساء الجاهلية اللاتي كن يمشين بين الرجال وهن مبديات زينتهن، مما كان سببًا في شيوع الخطيئة، وإهدار كرامة المرأة، وذهاب عفتها، وفساد مجتمع الجاهلية.
ومن هذه الأحكام تحريم لين المرأة في صوتها أو خضوعها فيه، ولهذا أمر الله نساء النبي -وهو أمر لنساء أمته- بعدم الخضوع في الكلام، كما قال عز وجل: {يَانِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا} [الأحزاب: 32]، والعلة في التحريم دفع من في قلبه مرض حين يسمع رقة كلام المرأة وخضوعها فيه، فيظن بها ظن السوء.
ومن هذه الأحكام تحريم الاختلاط بين المرأة والرجل من غير محارمها، وفي هذا خاطب الله عز وجل المؤمنين، بألا تكون مخاطبتهم للنساء مباشرة وإنما خلف حجاب يحجبهم: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} [الأحزاب: 53]، وما كانت الفتن والشرور وهتك الحرمات إلا بسبب ما نشأ عن الاختلاط من المفاسد، ودليل ذلك ما يشهده الإنسان اليوم من الجرائم الخلقية، وانتشار الأمراض القاتلة كالإيدز ونحوه.
قلت: فلما كان الإسلام أمر بغض البصر وحرم التبرج واللين في القول، دفعًا لأي احتمال يؤدي إلى الخطيئة، فإن إقامة علاقة بين فتاة وفتى من غير محارمها، يؤدي إلى الوقوع في الإثم، سواء كانت هذه العلاقة باسم الصداقة، أو بما يقال عن النية في الزواج أو بأي صفة كانت.
إن الله عز وجل حين قضى بالفصل بين المرأة والرجل من غير محارمها كان لحكم عظيمة:
منها: أن هذا قضاء قضاه وحكم حكم به ولا معقب لحكمه، وفي هذا قال عز وجل: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 63].
ومنها: أن السنن الربانية اقتضت هذا الفصل، وفي هذا قال الله عز وجل: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} [الأحزاب: 26].
ومنها: أن في هذا الفصل منعًا لما قد ينشأ عنه من الاتصال المحرم، وفيما يشهده العالم من ملايين البشر المصابين بالإيدز نتيجة هذا الاتصال، أعظم دليل على ذلك.
إن تحريم العلاقة بين الفتاة والفتى الأجنبي عنها، لا يمنعها من إقامة علاقة وصداقة مع مثيلاتها، فلها أن تصادق من تشاء منهن، ولها أن تلعب مع من تشاء منهن، فذلك أزكى وأطهر لها ولهن، فالله -عز وجل- لم يضيق على عباده، بل جعل لهم من المخارج والأحكام ما تزكو به نفوسهم، وتطهر به قلوبهم.
وخلاصة المسألة: أن أي علاقة تنشأ بين فتى وفتاة من غير محارمها تعد محرمة شرعاً، سواء كانت باسم الصداقة أو الرغبة في الزواج، أو كانت عن طريق اللعب في الملاعب الرياضية، أو تحت أي مسمى آخر، وللفتاة أن تصادق مثيلاتها وتلعب معهن في إطار الحدود والأحكام التي وضعها الله لعباده، رأفة ورحمة بهم وتزكية لنفوسهم وقلوبهم.
والله أعلم.