سؤال من الأخت بارا. . . من الجزائر عن الصدقة الجارية ولمن تعطى.

الصدقة الجارية ولمن تعطى.

الصدقة هي العطية يبتغي بها صاحبها المثوبة من الله تعالى([1]). أو هي ما يعطى على وجه التقرب إلى الله، لا على وجه المكرمة([2]). وإطار الصدقة إطار عام، فتشمل الزكاة والهبة والعطية والهدية والفرق في نية الفاعل، فإن كان المتصدق ينوي إخراج زكاة ماله فهي زكاة، وإن كان المتصدق ينوي بفعله العطف على الفقراء والمساكين فهو صدقة، وإن كان ينوي بفعله تكريم شخص في الدنيا، فهو هبة كإكرام القريب لقريبه، وإن كان ينوي بفعله تعزيز المحبة بينه وبين آخر، كمن يهدي لصديقه شيئًا يؤكد به صداقته فهو هدية، وفي ذلك قال رسول الله ﷺ: (تهادوا تحابوا)([3]).

والصدقة الجارية هي ما يمتد جريانها وقتًا أو أوقاتًا طويلة، وتتمثل في أنواع كثيرة، ومنها: بناء المساجد والجامعات والمستشفيات. ومنها تأسيس الجمعيات الخيرية للقيام بأعمال تساعد الأمة كالجمعيات التعاونية، وجمعيات مساعدة المحتاجين، وأي جمعية أو جمعيات ذات نفع عام. ومن الصدقة الجارية: رعاية الأيتام والمسنين وأصحاب الظروف الخاصة كالمعاقين وأسر المسجونين والمأسورين، وأسر الشهداء والمرابطين في سبيل الله.

وقد رغب دين الإسلام ترغيبًا شديدًا في الصدقة الجارية، ومن ذلك قول رسول الله ﷺ: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له)([4]). وقوله عليه الصلاة والسلام: (ما تصدق أحد بصدقة من طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت تمرة تربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله)([5]). وقال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: ما تصدق رجل بصدقة إلا وقعت في يد الله قبل أن تقع في يد السائل وهو يضعها في يد السائل، ثم قرأ عبد الله بن مسعود: {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ}([6]). ومن أفضل الأوقات للصدقة شهر رمضان، لما رواه الترمذي عن أنس -رضي الله عنه- سئل رسول الله ﷺ أي الصدقة أفضل؟ قال: (صدقة في رمضان)([7]). كما أنها أفضل في أوقات الحاجة لقول الله تعالى: {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَة} [البلد: 14].

ومن المهم في الصدقة أن تكون في السر، لقول رسول الله ﷺ: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. . . ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)([8]).

والأصل في الصدقة الجارية بقاء أصلها واستمرار ثمرتها، وبذلك أمر رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب. فقد روى عبد الله بن عمر أن عمر -رضي الله عنه- تصدق بمال له على عهد رسول الله ﷺ وكان يقال له ثمغ، فقال له رسول الله ﷺ: (تصدق بأصله لا يباع ولا يوهب ولا يورث ولكن ينفق ثمره)([9]).

ومن المهم الإشارة إلى أن التاريخ الإسلامي شهد في مراحله اهتمام السلف الصالح من الأمة بالأوقاف على أعمال البر والنفع العام للأمة، فأنشئت الأربطة لسكن طلاب العلم، وأوقفت الأموال لمساعدة العلماء والباحثين، وأنشئت المصحات، وأوعية المياه لسقيا المارة والعطشى، ونحو ذلك مما هو مشهود في التاريخ الإسلامي.

 

([1]) التعريفات للجرجاني ص138، وأنيس الفقهاء للقونوي ص134.

([2]) المعجم الوسيط في اللغة، ج1 ص511.

([3]) أخرجه الإمام مالك في الموطأ في كتاب حسن الخلق، باب ما جاء في المهاجرة، الاستذكار لابن عبد البر، ج26 ص154، برقم (39049)، حسنه الألباني في صحيح الجامع، (٣٠٠٤).

([4]) أخرجه مسلم في كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، صحيح مسلم مع شرحه إكمال إكمال المعلم، ج2 ص610-611، برقم (163).

([5]) متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب لا يقبل الله صدقة من غلول، فتح الباري، ج3 ص326، برقم (1410)، وأخرجه مسلم في كتاب الزكاة واللفظ له، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها، صحيح مسلم مع شرحه إكمال إكمال المعلم، ج3 ص475-476، برقم (1014).

 ([6])تفسير القرآن العظيم لابن كثير، ج2 ص369.

([7]) أخرجه الترمذي في كتاب الزكاة، باب ما جاء في فضل الصدقة، سنن الترمذي، ج3 ص51-52، برقم (663)، ضعفه الألباني في ضعيف الترمذي، (٦٦٣).

([8]) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب الصدقة باليمين، فتح الباري، ج3 ص344، برقم (1423).

([9]) أخرجه البخاري في كتاب الحرث والمزارعة، باب أوقاف أصحاب النبي ﷺ وأرض الخراج ومزارعتهم ومعاملتهم، فتح الباري، ج5 ص21، رقم الباب (14)، وفي كتاب الوصايا، باب وما للوصي أن يعمل في مال اليتيم وما يأكل منه بقدر عمالته، فتح الباري، ج5 ص460، برقم (2764)