الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا ورسولنا محمد، أما بعد:
فالجواب: أن أسرار الناس في المجالس الخاصة تعد في حكم الأمانة عند من حضرها، أو سمع بها، أو علم بها، فمن أصبح مؤتمنا عليها فأفشاها لغيره فقد خان ما ائتمن عليه، والأصل في هذا قول الله -عز وجل-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الأنفال: 27)، هذا في كتاب الله أما في سنة رسوله محمد-صلى الله عليه وسلم- فقال -عليه الصلاة والسلام- فيما رواه أبو هريرة-رضي الله عنه-: «آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذَا وعَدَ أخْلَفَ، وإذَا ائتُمِنَ خَانَ»([1]).
ولا شك أن الذي يخون أمانته يتعرض للإثم والاغتياب للناس، وهذا محرم في الأصل؛ لقول الله -عز وجل-: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحجرات:12)، وقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه-: «أَتَدْرُونَ ما الغِيبَةُ»؟، قالوا: اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ، قالَ: «ذِكْرُكَ أخاكَ بما يَكْرَهُ»، قيلَ: أفَرَأَيْتَ إنْ كانَ في أخِي ما أقُولُ؟، قالَ: «إنْ كانَ فيه ما تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فيه فقَدْ بَهَتَّهُ»([2])، فهو بهذا لا يخلو من الإثم في اغتيابه للناس، كما أن من يفشي أسرار الناس في مجالسهم الخاصة، ويتتبع عوراتهم يتعرض للإثم وظلم نفسه؛ لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه أبو برزة الأسلمي نضلة بن عبيد -رضي الله عنه-: «يا معشرَ من آمنَ بلسانِه، ولم يدخلْ الإيمانُ قلبَه! لا تغتابوا المسلمين، ولا تتَّبعوا عوراتِهم، فإنه من اتَّبعَ عوراتِهم يتَّبعُ اللهُ عورتَه، ومن يتَّبعِ اللهُ عورتَه يفضحُه في بيتِه»([3]).
هذا في عموم المسألة: أما عن السؤال فعلى من يفشي أسرار مجالس الناس أن يتقيَ الله؛ لأنه بفعله هذا يضر نفسه، ويظلمها، ويبوء بالإثم، فيستغفر الله، ويتوب إليه مما فعل؛ فإنه هو التواب الرحيم. والله -تعالى- أعلم.
[1] أخرجه البخاري برقم: (33).
[2] أخرجه مسلم (2589).
[3] أخرجه أبو داود (4880)، وأحمد (19776) قال الألباني في صحيح سنن أبي داود: “حسن صحيح”، رقمه (4880).