الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فبعد نزول الرسالة على رسول الله محمد -صلى الله عليه وسلم- أمره الله أن يجعل من صحابته طائفة تتفقه في الدين، ويكون للجهاد غيرها، فقال-عز وجل-: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: 122)، فبدأ فقه هذه الرسالة يتطور ويمتد، فكان الصحابة -رضوان الله عليهم- يسألونه إذا أشكل عليهم أَمْرٌ، أو نزلت بهم نازلة، وبعد وفاته -عليه الصلاة والسلام-كان الصحابة يسألون من كان أَقْرَبَ إليه في حياته، فكان أَوَّلُ المسؤولين عائشةَ-رضي الله عنها-، فكانت ترد على أسئلة السائلين والمستفتين، و كانت أجوبتها لهم محل الرضا والقبول، كما كانت أم سلمة-رضي الله عنها-تجيبهم بما تَعْلَمُهُ من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المسألة.
وفي مسار الزمن وانتشار الإسلام كانت النساء في الأمصار يتفقهن في الدين، فكان الفقه يتطور من زمان إلى آخر، ليس من قِبل الرجال وحدهم بل كان للنساء دور في هذا التطور، وإن لم يظهر في التدوين بشكل كبير، والشاهد في ذلك: ما علمناه عن دور المرأة في الشام، فقد أَرَّخَ صاحب (السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة) حوالي أربعين فقيهةً في الدين، فذكر منهن:
1- آسية بنت محمد بن إبراهيم الدمشقية، ولدت سنة (852).
2- آمنة بنت علي بن أبي بكر البويطي، توفيت سنة (880).
3- آمنة بنت ناصر الدين أبي الفتح نصر الله بن أحمد الكنانية العسقلانية القاهرية، ولدت تقريبا سنة (770).
4- أمة الله بنت الصدر أحمد بن البدر محمد بن زيد البعلية، أم قاضي الحنابلة ببعلبك.
5- أمة الله بنت العلاء علي بن الشهاب أحمدي الكردي البعلبكية.
فهذا العدد من العالمات المسلمات يدل على ما كانت تقوم به المرأة من دور في الفقه الإسلامي، وهؤلاء العالمات لسنَ الوحيداتِ في هذا المجال، بل إن المرأة في المشرق والمغرب كانت تقوم بهذا الدور؛ إيمانًا بقيمة العلم.
وفي هذا الزمان الذي كثرت فيها الجامعات كَثُرَ التخصص في الفقه، والكتابة فيه، تحليلًا وتدقيقًا وتحقيقًا للمخطوطات في الفقه، وفي مختلف العلوم، والمؤَمَّلُ أن يتطور دور المرأة أكثر فأكثر؛ لتزاحم الرجال في نشر الفقه في حواضر بلاد المسلمين وأطرافها.
والله – تعالى- أعلم.