سؤال من الأخت أ. . م. . عبد الله من الكويت عن حكم عمل المرأة المسلمة في مجال الصحافة الإسلامية وضوابطه الشرعية وهل هناك ما يمنع منه؟.

حكم عمل المرأة المسلمة وضوابطه الشرعية

عمل المرأة في الماضي لم يعرف إلا ما قيل عن مساعدة بعض النسوة المسلمات في مداواة الجرحى في بعض الغزوات، ولهذا لم يكن فيه أقوال إلا ضمن الإطار العام لما يجب على المرأة من ستر نفسها، ولبسها الحجاب الشرعي، واجتناب الاختلاط بالرجال من غير محارمها.

ولا شك أن حاجة المرأة للعمل أوجدها واقع الزمان والمكان، حين أصبحت في هذا الزمان جزءًا من هذا الواقع بحكم ما فرضه عليها من أعباء، إما لعدم استطاعة الرجل القيام بهذه الأعباء بمفرده، أو بسبب فقده، كوفاته أو غيبته، أو بسبب عدم وجوده أصلا خاصة في هذا الزمان الذي كثر فيه النساء وأصبحن بدون أزواج([1]). هذا إلى غير ذلك من الأسباب الشرعية التي تجد المرأة أنه لا مناص لها من العمل.

والإسلام لا يحرم أبدا العمل على المرأة، بل هو لها جائز مشروع طالما أنه في إطار الأسس والقواعد الشرعية، التي وضعها الإسلام للفصل بين المرأة والرجل من غير محارمها، وهنا يجب التفريق بين حكم عمل المرأة في الإسلام، وبين واقعها في حضارات أخرى.

أما حكم الإسلام فالمرأة المسلمة يجب أن تستتر وتحتجب عن الرجال الأجانب عنها، والأصل في هذا الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح من الأمة.

أما الكتاب: ففيه آيات أولاها قول الله تعالى: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ} [النور:31]، والحكم في هذه الآية واضح في أمر المرأة، أولا: بغض بصرها حتى لا يكون عدم غضه وسيلة تؤدي إلى الوقوع في الخطأ. ثم أمرها ثانيا: بحفظ الفرج، وقد استتبع هذا الأمر الأمر الأول لما قد يؤدي إليه عدم غض البصر من عدم حفظ الفرج. ثم أمرها ثالثا بوضع الخمار على الجيب خلافا لما كان نساء الجاهلية يفعلنه مما مقته الله، ثم نهيها عن إبداء الزينة إلا لمن هم من محارمها، ومن في حكمهم.

وثانية الآيات قول الله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} [الأحزاب:33]، وثالثة الآيات قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} [الأحزاب:53]، وفي هاتين الآيتين عدة أحكام منها وجوب قرار المرأة في بيتها، ووصف التبرج بأنه من فعل الجاهلية؛ مع الأمر بمخاطبة النساء من وراء حجاب.

وأما حكم السنة في الحجاب: فمنه ما ثبت في الصحيح عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي الفجر فيشهد معه نساء من المؤمنات متلفعات في مروطهن ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد([2])، ومنه ما روته صفية بنت شيبة عن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: لما نزلت يدنين عليهن من جلابيبهن خرج نساء الأمصار كأن على رؤوسهن الغربان من الأكسية([3]).

وأما فعل السلف الصالح من الأمة: فقد دلت النقول المتواترة حرص أمهات المؤمنين، ونساء الصحابة والتابعين، ونساء سلف الأمة على ارتداء الحجاب، وفي هذا قالت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات فإذا حاذوا بنا أسدلت إحدانا جلبابها على وجهها من رأسها، فإذا جاوزونا كشفنا([4]). فدل هذا على ما يجب على المرأة من الستر، والحجاب، خلافا لما كان نساء الجاهلية يفعلنه من التبرج، وإبداء الزينة للرجال الأجانب، مما كان سببا في وقوع المرأة في الخطيئة والإثم، وابتذالها، وامتهانها، واستغلال ضعفها.

أما واقع المرأة في حضارات أخرى فهو واقع مختلف فهي تختلط بالرجال من غير محارمها، وتتعامل معهم على النحو المشهود في هذا الزمان. وقد علل المبيحون، والمسوغون لهذا الوضع بأنه من حقوقها؛ كما عللوه بوجوب مشاركتها في الحياة العامة، كالعمل والتنمية ونحو ذلك من المسوغات الأخرى، والمآخذ على هذا التعليل كثيرة.

أما الحقوق فلا شك أن تبذل المرأة وإبداء زينتها للرجال لا يعد مطلقا من حقوقها، كما أن سترها، وإخفاء زينتها عن الرجال لا ينقص من حقوقها؛ لأن الله هو الذي أمر بهذا الستر، وهو أحكم في شرعه، وأعلم بحقوق خلقه ومصالحهم وما ينفعهم وما يضرهم، وهذا حكم الله، يقول تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُون} [المائدة:50]، وقد دلت الوقائع المحسوسة والمشهودة على أن اختلاط المرأة بالرجال الأجانب، وعدم سترها، يسبب لها الأذى والمخاطر وقد ذكرنا من قبل أن حكومة اليابان قد اضطرت إلى أن تضع في عربات النقل العامة أماكن خاصة بالنساء، منعزلة عن الرجال بعد أن تكاثرت شكاوى النساء، وقلقهن، وخوفهن مما يحدث من التحرش بهن من الرجال، وما واجهته النساء في اليابان تواجهه النساء في بلاد أخرى.

نعم: إن عمل المرأة جائز ومشروع بل هو واجب في المجالات والوظائف ذات النفع لها ولمثيلاتها، كما هو الحال في التربية والتعليم والطب والتمريض، والمجالات الأخرى التي تتفق مع الطبيعة والخصائص التي فطرها الله عليها.

ولا شك أن أمة المسلمين مطالبة أن تيسر للمرأة فيها هذا المجال؛ لأنها أحوج ما تكون إلى تربية أجيالها من ذكور وإناث، وتعليمهم في هذا الزمان الذي أصبح العلم فيه وسيلة كبرى للحياة الكريمة، وحماية للأمة في عقيدتها، وحضارتها، وموروثاتها من الأعداء المتربصين بها.

هذا من حيث العموم في المسألة، أما عن سؤال الأخت السائلة: فمن الجائز والمشروع لها أن تعمل فيما تعتقده خيرا لها في إطار ما أمرها الله به من الستر والحجاب، واجتناب ما يؤدي إلى الفتنة ونحو ذلك مما أشير إليه.

وخلاصة المسألة: أن الإسلام لا يحرم العمل على المرأة، بل هو لها جائز ومشروع، طالما أنه في إطار الأسس والقواعد الشرعية التي وضعها الإسلام، وهنا يجب التفريق بين حكم عمل المرأة في الإسلام، وبين واقعها في حضارات أخرى، أما حكم الإسلام فالمرأة المسلمة يجب أن تستتر وتحتجب عن الرجال الأجانب عنها، والأصل ما ورد في الكتاب من آيات توجب هذا الحجاب وما ورد في السنة وعمل السلف الصالح من الأمة من أحاديث ونقول توجب هذا الحجاب.

أما في حضارات أخرى فواقع المرأة مختلف حيث تختلط بالرجال من غير محارمها، وتتعامل معهم على النحو المشهود في هذا الزمان، وقد علل المسوغون لهذا الوضع بأنه من حقوقها، كما عللوه بوجوب مشاركتها في الحياة العامة، والمآخذ على هذا كثيرة، أما الحقوق: فلا شك أن تبذل المرأة وإبداء زينتها للرجال لا يعد من حقوقها، كما أن سترها لا ينقص من حقوقها؛ لأن الله هو الذي أمر بهذا الستر، وهو أحكم وأعلم بأحوال خلقه، إن أفضل عمل للمرأة هو في المجالات والوظائف ذات النفع لها ولمثيلاتها، كما هو الحال في التربية والتعليم والطب والتمريض، ونحو ذلك من المجالات التي تتفق مع خصائص المرأة.

هذا من حيث العموم أما سؤال الأخت السائلة: فمن الجائز لها أن تعمل فيما تعتقده خيرا لها في إطار ما أمرها الله به من الستر والحجاب، واجتناب ما يؤدي إلى الفتنة.

والله أعلم.

([1]) في أحد البلاد الإسلامية خمسة ملايين امرأة تعدين سن الزواج.

([2])  أخرجه البخاري، (٣٧٢)، فتح الباري، ج1 ص575.

([3])  سنن أبي داود، ج4 ص61، صححه الألباني في صحيح أبي داود، (٤١٠١).

([4])  أخرجه الإمام أحمد في المسند، ج6 ص30، قال الألباني في هداية الرواة، (٢٦٢٢): إسناده حسن في الشواهد.