سؤال من الأخت أم سراج من الجزائر، تقول: سيدة توفي زوجها وهي تبلغ من العمر 70سنة، وبيتها تحدث فيه أشياء غريبة، وتعاني من إيذاء الجن فيه، وتود كراء بيت والخروج منه؛ لأنها تعاني جدًّا، فهل يجوز لها ذلك؟ يعني: تقضي عدتها في البيت الذي ستستأجره؟

زيارة المعتدة من الوفاة أهلها

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فعدة المتوفى عنها زوجها آخر رباط الزوجية. والأصل فيها قول الله – تعالى-: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) (البقرة:234)، وقد جعلها الله تكريمًا للزوج وحفظًا للأنساب، فلا تتزوج المعتدة إلا بعد براءة رحمها، وقد اختلف الفقهاء -رحمهم الله- في مسألة بقائها في مسكن زوجها، وما إذا كانت تسكن في البيت بحكم نصيبها من التركة، وما إذا كانت تسكن بالأجرة إذا كان نصيبها لا يكفيها، واختلفوا في مسألة خروجها من المنزل ليلًا أو نهارًا([1]).

وفي مذهب الإمام أحمد قال ابن قدامة: ” وَلِلْمُعْتَدَّةِ الْخُرُوجُ فِي حَوَائِجِهَا نَهَارًا، سَوَاءٌ كَانَتْ مُطَلَّقَةً أَوْ مُتَوَفًّى عَنْهَا. لِمَا رَوَى «جَابِرٌ قَالَ طَلُقَتْ خَالَتِي ثَلَاثًا، فَخَرَجَتْ تَجُذُّ نَخْلَهَا، فَلَقِيَهَا رَجُلٌ، فَنَهَاهَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ اُخْرُجِي، فَجُذِّي نَخْلَك، لَعَلَّك أَنْ تَصَّدَّقِي مِنْهُ، أَوْ تَفْعَلِي خَيْرًا»([2])، وَرَوَى مُجَاهِدٌ، قَالَ: «اُسْتُشْهِدَ رِجَالٌ يَوْمَ أُحُدٍ فَجَاءَتْ نِسَاؤُهُمْ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَقُلْنَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَسْتَوْحِشُ بِاللَّيْلِ، أَفَنَبِيتُ عِنْدَ إحْدَانَا، فَإِذَا أَصْبَحْنَا بَادَرْنَا إلَى بُيُوتِنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم-: تَحَدَّثْنَ عِنْدَ إحْدَاكُنَّ، حَتَّى إذَا أَرَدْتُنَّ النَّوْمَ، فَلْتَؤُبْ كُلُّ وَاحِدَةٍ إلَى بَيْتِهَا»([3]). قال ابن قدامة: “وَلَيْسَ لَهَا الْمَبِيتُ فِي غَيْرِ بَيْتِهَا، وَلَا الْخُرُوجُ لَيْلًا، إلَّا لِضَرُورَةٍ؛ لأن اللَّيْلَ مَظِنَّةُ الْفَسَادِ، بِخِلَافِ النَّهَارِ، فَإِنَّهُ مَظِنَّةُ قَضَاءِ الْحَوَائِج وَالْمَعَاشِ، وَشِرَاءِ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ”([4]).

وعند جمهور الفقهاء يجوزُ للمُعتَدَّةِ مِن الوَفاةِ الخُروجُ مِن بَيتِها ليلًا؛ للحاجةِ، وهو مَذهَبُ الجُمهورِ من الحَنَفيَّةِ والمالِكيَّةِ، والشَّافِعيَّة ووجهٌ للحَنابلةِ؛ وذلك؛ لأن نَفَقتَها على نَفسِها، فتَحتاجُ إلى التكَسُّبِ، وهو لا يكونُ إلَّا نهارًا، وفي بَعضِ اللَّيلِ([5]).

هذا في عموم المسألة، أما عن سؤال الأخت، فالمرأة في محل السؤال تتأذى من إقامتها في بيت زوجها، وقد يكون هذا الأذى نتيجة وضع نفسي، وقد تكون أسبابه كثيرة، فإن قسرت نفسها على الإقامة في البيت أصبح ذلك من باب التكليف، والله -عز وجل- لا يكلف عباده ما لا يستطيعون عليه؛ لقوله: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (البقرة:286)، وقوله -عز وجل-: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن:16)، فاقتضى هذا أنها إذا كانت تعاني نفسيًّا من إقامتها في البيت فتخرج إلى مكان آخر حتى تنتهي عدتها.

والله – تعالى- أعلم.

[1] ((مختصر القدوري)) (ص: 170)، ((تبيين الحقائق)) للزيلعي (3/37)، و ((منح الجليل)) لعليش (4/335) و ((روضة الطالبين)) للنووي (8/416)، ((نهاية المحتاج)) للرملي (7/156)، و ((الإنصاف)) للمرداوي (9/226).

[2] أخرجه مسلم (1483)، وأبو داود (2297) واللفظ له، والنسائي (3550)، وابن ماجه (2034)، وأحمد (14444).

[3] أخرجه البيهقي (١٥٩١٤)، والألباني في إرواء الغليل للشيخ الألباني رقمه(2135).

[4] المغني ج ص 163.

[5] ((مختصر القدوري)) (ص: 170)، ((تبيين الحقائق)) للزيلعي (3/37)، و ((منح الجليل)) لعليش (4/335) و ((روضة الطالبين)) للنووي (8/416)، ((نهاية المحتاج)) للرملي (7/156)، و ((الإنصاف)) للمرداوي (9/226).