الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فخلاصة السؤال أن شرطيًّا تقدم لخطبة الأخت في السؤال، وقد نصحتها صديقتها بعدم الزواج منه؛ لأنه شرطي يحلق لحيته، وهذه النصيحة تشير إلى أن هناك من لا يحبذ تزويج رجال الشرطة أو العسكريين بوجه عام؛ وذلك لعدة أسباب، منها: أن العسكري غير مستقر في مكان واحد مما يضر بزوجته، ومنها أنه معرض للضرر بحكم عمله مما قد يضر أيضًا بزوجته وأولاده، ومن هذه الأسباب أنه مجبر على حلق لحيته، فهو بهذا “مبتدع” كما ذكر في السؤال.
وهذه الأسباب مجرد تصور خاطئ في بعض بلاد المسلمين، فبعض الأسر تتداول هذه الصور عند خطبة بناتهم من قبل رجال الشرطة والعسكريين.
الشرطي ورجل الأمن وكل من يخدم في الأجهزة العسكرية يعمل في خدمة الأمة، وحفظ أمنها والدفاع عنها، وهو في سبيل ذلك يضحي بنفسه في سبيلها، فكل الأسباب المشار إليها غير صحيحة ألبتة، فقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته ومن جاء بعدهم جنودًا وحماة للإسلام ونشروا دين الله في الأرض، وما كان هذا الدين لينتشر إلا بفضل الله، ثم بفضل جهادهم في البر والبحر، وقد عظم الله عمل المجاهدين في آيات كثيرة من كتابه، منها قوله -عز وجل-: (وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُوٓأولئك هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) (الأنفال:74)، وقوله -عز ذكره-: (ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَأُوْلئك هُمُ ٱلْفَائِزُونَ،يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍۢ مِّنْهُ وَرِضْوَٰنٍۢ وَجَنَّٰتٍۢ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ، خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (التوبة:20-22)، هذا في كتاب الله.
أما في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: فما رواه أبوهريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَثلُ المجاهدِ في سبيلِ اللهِ كمَثلِ الصَّائمِ القائمِ القانتِ بآياتِ اللهِ، لا يفتُرُ مِن صومٍ ولا صدقةٍ حتَّى يرجِعَ المجاهدُ إلى أهلِه”([1])، وما رواه أيضًا أبوهريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَن جاهَدَ في سَبيلِهِ، لا يُخْرِجُهُ إلَّا الجِهادُ في سَبيلِهِ وتَصْدِيقُ كَلِماتِهِ، بأَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أوْ يَرْجِعَهُ إلى مَسْكَنِهِ الذي خَرَجَ منه، مع ما نالَ مِن أجْرٍ أوْ غَنِيمَةٍ)([2]).
والآيات والأحاديث في فضل الذين يجاهدون في سبيل الله، ويدافعون عن دينه وعن أمتهم كثيرة.
أما ما أشير إليه عن حلق الشرط للحاهم، فهذا معصية ومع أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق؛ كما قال ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-([3])، إلا أن هذا يتعلق برؤسائه، فلو امتنع عن طاعتهم لأدى ذلك إلى فتن، والفتنة أشد من القتل. فالإثم إذًا عليهم، وحسابهم على الله، فعسى الله أن يهدي من يضل عن سبيله.
فالحاصل أنه إذا كان الشرطي المشار إليه في السؤال صالحًا في دينه وخلقه، فما على الأخت من جناح إذا قبلت به زوجًا، بل إن الواجب يقتضي ذلك؛ لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إذا جاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ، وَفَسَادٌ عَرِيضٌ)([4]).
والله-تعالى- أعلم.
[1] أخرجه البخاري (٢٧٨٥)، ومسلم (١٨٧٨) واللفظ له، صحيح ابن حبان(4627).
[2] أخرجه البخاري (3123)، ومسلم (1876).
[3] أخرجه أحمد (1098)، صححه الألباني في صحيح الجامع، (٧٥٢٠).
[4] أخرجه الترمذي (1084)، وابن ماجه (1967) وحسنه الألباني في “صحيح الترمذي”.