الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه الأمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فمع تغير الأحوال في المجتمعات المختلفة بدأ التغيير في العادات والتقاليد المتوارثة من الأجيال المتعاقبة، ولا شك في أن هذا التحول كان بفعل الحياة المادية المعاصرة، بتقنياتها المتعددة، مما يكون له بعض الآثار التي لا يرضى عنها جمع كبير من الناس، فقيام المرأة بحجامة الرجال جزء من هذه التحولات، فمن يتجاوز عنها يرى أن عملها لا يبعد كثيرًا عن قيامها بمعالجتهم إذا كانت طبيبة، أو قيامها بتمريضهم إذا كانت ممرضة، ولكن البعض الآخر قد يرى في هذا التحول انعطافًا ما كان يجب أن يحدث، رغم كل ما يقال عن المبررات.
أنا لا أعلم أنه كان في مجتمعات المسلمين قديمًا تولي المرأة لحجامة الرجال، فهذا الفعل من أفعال الرجال، قد يكون من النساء من تحجم مثيلتها، كما تفعله بعض النساء في توليد مثيلاتهن وعلاجهن وختنهن، كما كانت أم عطية تفعل ذلك في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والمهم في الأمر نظرة الإسلام إلى هذا النوع من الفعل، فهذا الدين جعل للمرأة خصوصية في تعاملها مع الرجال الأجانب؛ مما يجب أن يكون هذا في حال الضرورة، فالأصل فيه قول الله -عز وجل-: {قُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} [النور: 31]، وغض البصر لا يكون إلا من الرجال، فهذا أمر يقتضي الطاعة، والأصل فيه أيضًا سؤال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-لابنته فاطمة عما هو خير للمرأة، فقالت: ألّا ترى رجلًا ولا يراها([1]).
فمع أنه ليس هناك نص شرعي يمنع المرأة من القيام بحجامة الرجال، إلا أن العادات التي تمنع هذا الفعل على المرأة يجب أن تكون الحاكم له، فالعادة محكَّمة؛ أي معتبرة شرعًا، وأن المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا، وقد أقر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أصحاب النخيل في المدينة على عادتهم في تأبير نخيلهم([2]).
فالحاصل: أنه ليس هناك ما يمنع شرعًا المرأة من هذا العمل، لكن الأحوط لها ألا تفعله، والخير لها في غيره؛ لأن التعامل مع الرجال الأجانب يجب أن يكون في حكم الضرورة.
والله -تعالى- أعلم
[1] أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ج 2 ص 40 – 41 . أخرجه النسائي في ((السنن الكبرى)) (١١٢٦٣)، وأبو يعلى (٢٦١٨)، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (٦٦) بنحوه. صحح إسناده البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة، (٦/٢٣٤).
[2] أخرجه مسلم في ” صحيحه ” (حديث رقم/2363). عن عائشة : ” أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ فَقَالَ: ( لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ ) ، قَالَ : فَخَرَجَ شِيصًا ، فَمَرَّ بِهِمْ فَقَالَ : ( مَا لِنَخْلِكُمْ؟ ) قَالُوا : قُلْتَ كَذَا وَكَذَا ، قَالَ: أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ ) .