سؤال ‬من ‬أحد الإخوة ‬يقول فيه: ‬إنه طلق زوجته بعد نقاش حدث ‬بينهما، ‬فقيل له في ‬ذلك: إن هذا الطلاق لا ‬يلزمه حتى ‬يوثق وفق ‬الإجراءات الرسمية، ‬بمعنى أنه لا معنى لما تلفظ به، ‬فإن وثق طلاقه وقع ‬وإلا فلا، ‬ويسأل عما إذا كان هذا القول صحيحًا ‬أم لا؟

‬الطلاق وما إذا كان التوثيق من لوازمه

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبعد:

فالجواب من حيث العموم، الطلاق نوعان: صريح وكنائي، فصريحه يكون بلفظ واضح، كقول الزوج لزوجته: أنت طالق، أو قد طلقتك، ويترتب على هذا القول: إما مراجعتها إذا كان التلفظ بالطلاق وقع مرة واحدة أو مرتين، وإما تترتب عليه البينونة إذا كان التلفظ به وقع مكررًا ثلاث مرات، أو لم يبق للزوجة إلا طلقة واحدة بعد طلاق سابق.

وقد تباينت آراء الفقهاء في مسألة صريح الطلاق، فعند الأئمة أبي حنيفة([1]) ومالك([2]) والشافعي([3]): أن الزوج إذا قال لزوجته: «أنت طالق» وقع الطلاق، ولا يقبل قوله بأنه لم يرد الطلاق. وكذا لو قال لها: سرحتك أو فارقتك (عند الإمام الشافعي)([4])، واستثنى أصحاب الإمام مالك ما إذا كان ثمة قرينة تدل على صدق قوله، كوجود شبهة تدل على أنه لم يرد الطلاق فعلًا([5])، وعند الإمام أبي حنيفة: أن الطلاق لا يحتاج إلى نية([6])، والمشهور في مذهب الإمام مالك: أن الطلاق يحتاج إلى نية([7])، واستدل من قال بوجوب النية بقول رسول الله ﷺ: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)([8]).

وفي مذهب الإمام أحمد أن من أتى بصريح الطلاق لزمه نواه أو لم ينوه([9]).

أما كناية الطلاق فعلى قسمين: ظاهرة ومحتملة، فالظاهرة ما يدل عليها العرف مثل قول الزوج لزوجته أنت عليَّ حرام، أو أنت مني بائن أو قوله: اذهبي إلى أهلك فأنت مردودة عليهم، أو قوله: لا أريدك زوجة، وأما المحتملة فمثل قوله: ابعدي عني أو قوله: لا تجلسي عندي، ونحو ذلك مما لا يعد في العرف طلاقًا، أو لا يحتمل أنه أراد الطلاق بهذا القول؛ فالعبرة في ذلك بنية الزوج، ويصدق قوله حكمًا بالظاهر منه، لقول رسول الله ﷺ: (إني لم أومر أن أنقب قلوب الناس، ولا أشق بطونهم)([10])، وقول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: إن أناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم([11]).

هذا هو الطلاق من حيث العموم، أما سؤال الأخ السائل عن طلاقه لزوجته، فإن الطلاق يقع بمجرد التلفظ به، ولا يتوقف وقوعه على توثيقه، والأصل في ذلك الكتاب والسنة.

أما الكتاب: فقد ذكر الله الطلاق في آيات عدة، منها قوله تعالى: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ}  [البقرة: 229]، وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1]، فجاء لفظ الطلاق مطلقًا، والمطلق يجري على إطلاقه، ولا يلزم منه تخصيصه بحكم آخر ما لم يكن هذا الحكم مقترنًا به أو لاحقًا له.

أما السنة: فقول رسول الله ﷺ: (ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد، الطلاق والنكاح والرجعة)([12])، قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن جد الطلاق وهزله سواء([13]).

قلت: فإذا كان الطلاق يقع بمجرد التلفظ به، ولو لم يكن المطلق يقصد وقوعه، فكيف يقال بتوثيقه لصحة لزومه؟ إن أحكام الشرع تجري على إطلاقها، فإذا قيل بفرض الصلاة فلا يحتاج هذا الفرض إلى حكم آخر يقيده، ما لم يكن قد ورد هذا الحكم بنص آخر، مثل شرط دخول وقتها، كما في قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} [الإسراء: 87]، وقوله -عز ذكره-: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا} [النساء: 301]، أي مفروضًا في الأوقات، وإذا قيل بفرض الزكاة، فلا يحتاج هذا الفرض إلى حكم آخر يقيده، ما لم يكن قد ورد حكم بنص آخر، كما هو الحال في ذكر أصحابها في قول الله جل ثناؤه: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ…} [التوبة: 06]، وهكذا في أحكام الشرع، فلما كان الطلاق يقع بمجرد التلفظ به، فلا يجوز أن يترتب حكمه على حكم آخر يقيِّده ما لم يرد به نص من كتاب أو سنة أو إجماع، وهذا لم يحدث كما نعلم.

أما إذا اجتهد ولي الأمر فأوجب توثيق الطلاق بعد وقوعه حماية لطرفيه أو أحدهما، أو اتفق الزوج وزوجته معًا على توثيقه مباشرة بعد وقوعه، أو ذهب الزوج إلى المحكمة لإيقاعه ثم توثيقه، فهذا مما لا بأس به.

أما أن يطلق الزوج زوجته ويعاشرها أيامًا أو شهورًا أو سنين، ثم يدَّعي أنه لم يطلقها؛ لأنه لم يوثق طلاقه، فهذا خطأ واضح، وتلاعب بأحكام الشرع.

وخلاصة المسألة: أن الطلاق يقع بمجرد التلفظ به، ولا يترتب وقوعه على توثيقه، والأصل في ذلك الكتاب والسنة، أما الكتاب، فقد جاء لفظ الطلاق في القرآن مطلقًا، والمطلق يجري على إطلاقه، ولا يلزم منه تخصيصه بحكم آخر، ما لم يكن هذا الحكم مقترنًا به أو لاحقًا له. أما السنة، فقول رسول الله ﷺ: (ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: الطلاق والنكاح والرجعة)، فإذا كان الطلاق يقع بمجرد التلفظ به، ولو كان المطلق هازلًا، فلا يجوز أن يقال بتوثيقه لصحة لزومه، أما إذا اجتهد ولي الأمر، فأوجب توثيق الطلاق بعد وقوعه، حماية لطرفيه أو أحدهما، أو اتفق الزوج وزوجته معًا على توثيقه مباشرة بعد وقوعه، أو ذهب الزوج إلى المحكمة لإيقاعه، ثم توثيقه، فهذا مما لا بأس به.

والله تعالى أعلم.

 

([1])  شرح فتح القدير لابن الهمام على الهداية للمرغيناني ج4 ص3-4، وحاشية رد المحتار لابن عابدين ج3 ص276-277

([2])  بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد الحفيد ج1 ص56، والقوانين الفقهية لابن جزي ص153.

([3])  المهذب في فقه الإمام الشافعي للفيروزآبادي الشيرازي ج2 ص80-81.

([4])  المهذب في فقه الإمام الشافعي للفيروزآبادي الشيرازي ج2 ص80-81.

([5])  بداية المجتهد ج1 ص56.

([6])  شرح فتح القدير ج4 ص40.

([7])  القوانين الفقهية لابن جزي ص153.

([8])  أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ، برقم (1)، صحيح البخاري مع فتح الباري ج1 ص15.

([9])  الكافي لابن قدامة ج4 ص440، والمغني ج10 ص372.

([10])     أخرجه البخاري في كتاب المغازي من حديث طويل، باب بعث علي بن أبي طالب عليه السلام وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع، فتح الباري بشرح صحيح البخاري ج7 ص665-666، برقم(١٥٣٤).

([11])     أخرجه البخاري، (٢٦٤١)، فتح الباري ج5 ص298، الأثر (١٤٦٢)، باب الشهداء عدول من كتاب الشهادات.

([12])     أخرجه أبو داود في كتاب الطلاق، باب في الطلاق على الهزل، برقم (٤٩١٢)، سنن أبي داود ج2 ص232، صححه الألباني في صحيح الترمذي، (١١٨٤)..

([13])     الإجماع لابن المنذر ص113.