الحكمان بين الزوجين

ما هي طبيعة ‬عمل الحكمين بين الزوجين ‬‬‬‬‬‬‬

سؤال ‬من أحد الإخوة في ‬المملكة العربية السعودية عن طبيعة ‬عمل الحكمين بين الزوجين‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬؟

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبعد:

فالأصل في الحكمين أن يرسلا برضى الزوجين، وتوكيلهما لأن ذلك من حقهما، ولا يجبران عليه، وذلك لأن البضع حق للزوج، والمال حق للمرأة، وهما رشيدان، فلم يجز لغيرهما التصرف، فلا يملكان التفريق إلا بإذنهما، وهذه رواية عن الإمام أحمد، وهو المشهور عند الأصحاب([1])، وبه قال الحنفية([2])، وقول للشافعي([3]).

أما الرواية الثانية عند الإمام أحمد([4])، وبه قال الإمام مالك([5])، ورواية عن الإمام الشافعي([6]): للحكمين أن يفعلا ما يريانه من جمع أو تفريق بعوض أو غير عوض، وبدون رضى الزوجين، وذلك لتسميتهما حكمين؛ استدلالًا بظاهر قول الله تعالى: {فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا} [النساء: 53]. وقوله تعالى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 922]، واستدلالًا بما روي أن رجلًا وامرأة أتيا عليًّا -رضي الله عنه- مع كل واحد منهما جمع من الناس، فقال علي -رضي الله عنه-: أبعثوا حكمًا من أهله، وحكمًا من أهلها؛ فبعثوا حكمين، ثم قال علي -رضي الله عنه- للحكمين: هل تدريان ما عليكما من الحق، عليكما من الحق إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما، فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله لي وعلي، فقال الرجل: أما الفرقة فلا، فقال علي -رضي الله عنه-: كذبت حتى ترضى بما رضيت به([7]).

واستدلالًا أيضًا بقصة عقيل بن أبي طالب وزوجته فاطمة بنت عتبة، فقد تخاصما، فجاءت فاطمة إلى عثمان -رضي الله عنه-، فبعث حكمًا من أهله عبدالله بن عباس، وحكمًا من أهلها معاوية بن أبي سفيان فقال ابن عباس: لأفرقنّ بينهما([8]).

وقد أخذ بالرواية الثانية عن الإمام أحمد شيخ الإسلام ابن تيمية([9]) وابن القيم([10]).

– والأصل أن الحكمين يستمدان سلطتهما من حاكم القضية بحسبه، يملك التفريق بين الزوجين، فما يفعلانه يعد نيابة عنه. قلت: فيجوز للحكمين إذًا أن يختارا ما يعتقدان فيه الخير والصلاح للزوجين، من حيث التفريق أو عدمه؛ ذلك أن سماع أقوالهما وكونهما من أهلهما، ومعرفتهما لإمكانية التعايش أو عدمه بينهما، يجعل لهما الخيار في التفريق أو عدمه، فإن أراد حاكم القضية أن يجعل الأمر له في التفريق أو عدمه بعد سماع رأي الحكمين، فالأمر عائد له.

والله تعالى أعلم.

([1]) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي، ج ٨ ص٠٨٣-١٨٣، والمغني مع الشرح الكبير لابني قدامة، ج٨ ص٧٦١-٨٦١، وزاد المعاد لابن القيم، ج٥ ص١١-٢١.

([2]) أحكام القرآن لأبي بكر بن علي الرازي الجصاص، ج٣ ص٠٥١-٣٥١، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني للألوسي، ج٤ ص٩٣-١٤.

([3]) مغني المحتاج لمحمد الشربيني الخطيب، ج٣ ص١٦٢، ونهاية المحتاج للرملي، ج٥ ص٢٩٣.

([4]) الإنصاف، ج٨ ص١٨٣.

([5]) عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة لابن شاس، ج٢ ص٤٣-٦٣١، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ج٢ ص٤٤٣-٤٤٣، وبداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد، ج٢ ص٩٩، والجامع لأحكام الفقهية للقرطبي من تفسيره، ج٢ ص٥٨٢-٦٨٢، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ج٥ ص٥٧١-٦٧١.

([6]) انظر: مغني المحتاج، ج٣ ص١٦٢.

([7]) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ج٦ ص٧٧١، زاد المعاد، ج٥ ص٢١.

([8]) تفسير القرآن العظيم لابن كثير، ج١ ص٧٦٤، وزاد المعاد، ج٥ ص٢١.

([9]) الإنصاف، ج٨ ص١٨٣.

([10])    زاد المعاد في هدي خير العباد، ج٥ ص١١-٢١.