سؤال مفاده:‏ أن الإنسان حين يتعامل في أمر من الأمور يواجه ما يشتبه عليه: أهو من الحلال أم من الحرام؟، فماذا عليه أن يفعل حينئذٍ؟.

المشتبهات بين الحلال والحرام

المسلم يعلم من دينه بالضرورة أن هناك حلالًا بيّنًا، أحله الله له من المطعومات والمشروبات والألبسة، فلا يماري مثلًا في حل لحم الإبل والبقر والغنم والأسماك، والخضراوات، والفواكه، فهو يعلم حلها بحكم دينه وتربيته وتنشئته، كما يعلم من دينه بالضرورة أن هناك حرامًا بيّنًا حرمه الله عليه، فلا يماري في تحريم القتل، والزنا، والسرقة، وأكل الميتة، وشرب الخمر، وعقوق الوالدين، ونحو ذلك من المحرمات.

ولكنه قد لا يعلم ما بين هذه الأحكام من التشابه، فلا يعلم مثلًا عما إذا كان يجوز أكل لحم الخيل والضفادع، كما أنه قد لا يعلم حكم بعض الأشربة التي كانت محل خلاف بين هذا المذهب وذاك، كما أنه قد لا يعلم حكم لبس خاتم الذهب الذي يلبسه بعض العامة دلالة على الخطوبة، ونحو ذلك من المشتبهات الأخرى.

ولما كان عامة الناس لا يعلمون مختلف الأحكام الشرعية أمرهم الله أن يسألوا العالِمين بها في قوله -عز وجل-: ‏{فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُون} [النحل: 43]، فهذه الآية، وإن كان نزولها في الرد على من أنكر بعثة الرسل من البشر، كما فعل مشركو قريش في إنكارهم نبوة ورسالة رسول الله محمد -ﷺ-، إلا أن حكمها عام فيما يجب على المسلم أن يسأل فيه أهل العلم عما يخفى عليه من دينه، وكما أمر الله عباده أن يسألوا أهل الذكر-وهم هنا العلماء-أمر العلماء أن يبينوا للناس ما نزل إليهم من الأحكام الشرعية: محكمِها ومتشابهِها، فقال-عز ذكره-عن أهل الكتاب: ‏{وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُون} [آل عمران: 187]، كما أمر أنبياءَه ورسله أن يبينوا هذه الأحكام، ومنهم نبينا ورسولنا محمد-ﷺ-، فقد أمره الله بذلك في قوله -عز ذكره-: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67]، وقد فعل ذلك -عليه الصلاة والسلام-، فبلغ أمته ما أُمر بإبلاغه لها، وأشهدها على ذلك في حجة الوداع حين سأل من كان معه من المسلمين بقوله: ‏(ألا هل بلغتُ)؟، فلما أقروا بذلك أشهد الله عليهم بقوله: ‏(اللهم فاشهد)([1]).

والمسلم ملزم أن يتعبد الله وهو عالم بما يتعبد به في أمور الدين والدنيا، فما علمه من المحكمات عمل به، وما لم يعلمه من المشتبهات وجب عليه أن يسأل عنه، والأصل في ذلك الكتاب والسنة، أما الكتاب فقد وصف الله الذين يتبعون المشتبهات بالزيغ والضلال في قوله -عز وجل-: ‏{هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7]، فالمتشابه هنا هو المقابل للمحكم، وذكر الإمام ابن كثير أن أحسن ما قيل فيه هو ما نص عليه محمد بن إسحاق بن يسار من أن “قوله -تعالى-: ‏{آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ} هن حجة الرب، وعصمة العباد، ودفع الخصوم الباطل، ليس لهن تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه، والمتشابهات في الصدقة ليس لهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله فيهن العباد، كما ابتلاهم في الحلال والحرام ألا يصرفن إلى الباطل، وينحرفن عن الحق”([2]).

ولما وصف الله المتبعين للشبهات بالزيغ والضلال بين مرادهم، وهو ابتغاء الفتنة لإضلال الناس عن اتباع الحق، وصرفهم إلى الباطل، كما يفعل الخوارج وبعض الفرق في الماضي، وكما يفعل في هذا الزمان أصحاب البدع من الفرق، كفتنة القاديانيين([3]) الذين حرفوا القرآن، وجعلوا زعيمهم نبيًّا من الأنبياء، وكفتنة القرآنيين([4]) الذين ضلوا، فأضلوا بما زعموا من إبطال السنة النبوية، والاكتفاء بالقرآن، ونحو ذلك من المزاعم والأباطيل المنكرة التي تبثها الفرق المنحرفة، العلنية منها والمستترة.

وأما السنة: فما رواه النعمان بن بشير -رضي الله عنه-، قال:‏ سمعت رسول الله -ﷺ-وأهوى النعمان بأصبعه إلى أذنيه-، يقول:‏ (إن الحلال بيّن، وإن الحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا إن لكل ملك حمًى، ألا وإن في الجسد مضغةً، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)([5])، وفي رواية البخاري: أن رسول الله -ﷺ-قال: ‏(الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهة، فمن ترك ما شبه عليه من الإثم كان لما استبان أترك، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان، والمعاصي حمى الله، من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه)([6]).

والمراد بالمشتبهات ما بين الحلال والحرام، أي: يشك في حكمها، فلا يعلم على وجه اليقين أهي حلال أم حرام؟، وذكر الإمام ابن قدامة أن المشكوك فيه على ثلاثة أوجه:

الوجه الأول:‏ ما أصله الحظر، كالذبيحة في بلدة فيها مجوس وعبدة أوثان، فلا يجوز شراؤها، وإن جاز أن تكون ذبيحة مسلم؛ لأن الأصل التحريم، فلا يجوز إلا بيقين أو ظاهر، وكذلك إن كان فيها أخلاط من المسلمين والمجوس لم يجز شراؤها لذلك، والأصل في هذا حديث عدي بن حاتم عن رسول الله -ﷺ-: ‏(إذا أرسلت كلبك، فخالطتْهُ أكلبٌ لم تسم عليها، فلا تأكل، فإنك لا تدري أيُّها قتله؟)([7])، فأما إن كان ذلك في بلد الإسلام فالظاهر إباحتها؛ لأن المسلمين لا يقرون في بلدهم بيع ما لا يحل بيعه ظاهرًا.

الوجه الثاني: ‏ما أصله الإباحة، كالماء يجده متغيرًا، لا يعلم بنجاسة تغيره أو غيرها، فهو طاهر في الحكم؛ لأن الأصل الطهارة، فلا يزول عنها إلا بيقين أو ظاهر، ولم يوجد واحد منهما، والأصل في ذلك حديث عبد الله بن زيد -رضي الله عنه-، قال:‏ شُكِيَ إلى النبي-ﷺ-الرجل يخيل إليه في الصلاة أنه يجد الشيء، قال: ‏(لا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا)([8]).

الوجه الثالث: ‏ما لا يعرف له أصل، كرجل في ماله حلال وحرام، فهذا هو الشبهة التي من الأَوْلَى تركُها؛ عملًا بما روي عن رسول الله -ﷺ- أنه وجد تمرة ساقطة، فقال: ‏(لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها)([9])، وهذا من باب الورع([10]).

قلت:‏ والمشتبهات التي قد تواجه المسلم كثيرة، فإذا اشتبه عليه شيء منها وجب عليه السؤال عنه، فإن لم يستطع تمييز الحلال من الحرام وجب عليه تركه، ومن المشتبهات -على سبيل المثال-: ما لو وجد المسلم لحمًا شك في كونه حلالًا أو حرامًا، كلحم الخنزير، أو وجد في حسابه في المصرف مبلغًا لا يعرف مصدره، كما لو كان فائدة مترتبة من وجود ماله في المصرف، أو أهدى له شخص هدية لا يعلم سبب إهدائها له، أهو على سبيل المحبة أم على سبيل الرشوة؟، خاصة إذا كان في عمل لا يجوز له قبول الهدية عليه كالقاضي ومن في حكمه.

ومن المشتبهات: ما لو اختلطت دراهمه الحلال بدراهم يشك في حلها، كما لو اشترك مع آخر في تجارة، وكان يظن أن شريكه يتاجر في الحرام، فإن كان يستطيع معرفة هذا من ذاك قسمه، وأخرج المال الحرام، فإن لم يستطع اجتهد في فرزه بنية إخراج الحرام، فرده إلى شريكه إن كان معلومًا، أو تصدق به في مصالح المسلمين.

ومن المشتبهات: ما لو ابتاع شيئًا يشك أنه مسروق، أو كان له وكيل لإنجاز أعماله، وظن أنه يدفع رشوة لإنجاز هذه الأعمال، أو كان يظن أن المال الذي يأتيه من وكيله إنما هو مقابل رسم يدفعه مكفولوه، كما يحدث اليوم من بعض أرباب العمل من تقاضي رسم شهري أو سنوي من العمال، بحجة خدمتهم لهم، فهذا كله من المشتبهات، بل قد يكون هذا الرسم من المحرم؛ لما فيه من أكل المال بالباطل.

ومن المشتبهات: ما يحدث اليوم في مسائل استثمار المال من شبهات، ومحاولة تحليل هذا الاستثمار، كسندات البريد، أو إعطاء هدايا مقابل الاستثمار عوضًا عن النقد، ومن ذلك: ما يحدث -أيضًا-في مسائل الزواج تحت مسميات مشبوهة، كالزواج بنية الطلاق، أو تحت أي مسمى آخر يراد منه مجرد الاستمتاع، ونبذ التقيد بأحكام الزواج المعلومة من الدين بالضرورة.

فهذه المسائل ونحوها قد يكون منها ما هو بيّنٌ في حرمته، ومنها ما قد يسميه البعض بالمشتبهات، إما لصعوبة معرفة الحكم فيها، أو وجود خلاف فيها بين المذاهب، وأيًّا كان وصفها فالواجب على المسلم سؤال العلماء الربانيين عنها، أو تركها؛ لأن في هذا الترك استبراءً لدين المسلم وعرضه، وقد شبه رسول الله -ﷺ- في الحديث الآنف الذكر المستهين بالشبهات بالراعي الذي يرعى حول الحمى؛ لأنه سوف يقع فيه إن لم يكن بعيدًا عنه، وحمى الله محارمه، فمن اتقى الشبهات ابتعد عن هذه المحارم، ومن اقترب منها وقع فيها.

وخلاصة المسألة:‏ أن هناك حلالًا بيّنًا، وحرامًا بيّنًا، وبينهما أمورًا مشتبهاتٍ، لا يعلمها عامة الناس؛ لهذا أمرهم الله أن يسألوا عنها أهل العلم، كما أمر أهل العلم أن يبينوها للناس، وقد وصف الله -عز وجل-الذين يتبعون المشتبهات بالزيغ والضلال.

والمشتبهات التي قد تواجه المسلم في هذا الزمان كثيرة، فإذا اشتبه عليه شيء منها وجب عليه سؤال العلماء الربانيين عنها، فإن لم يستطع وجب عليه تركها؛ لأن في هذا الترك استبراءً لدينه وعرضه، كما قال ذلك رسول الله -ﷺ-.

والله- تعالى- أعلم.

([1])  أخرجه البخاري في كتاب الفتن، باب قول النبي-ﷺ-: (لا ترجعوا بعدي كفارًا، يضرب بعضكم رقاب بعض)، برقم (7087)، فتح الباري ج13 ص29 .

([2])  تفسير القرآن العظيم ج1 ص326 .

([3])  القاديانية:‏ هي إحدى الفرق الباطنية الخبيثة، ظهرت في آخر القرن التاسع عشر الميلادي في الهند، وتسمى في الهند وباكستان بالقاديانية، وسموا أنفسهم في أفريقيا وغيرها من البلاد التي غزوها بالأحمدية؛ تمويهًا على المسلمين أنهم ينتسبون إلى الرسول-ﷺ-، “والقاديانية ثورة على النبوة المحمدية، وعلى صاحبها-عليه أفضل الصلاة والسلام-، وثورة على الإسلام، ومؤامرة دينية وسياسية كما يذكر الندوي، احتضنها الإنجليز حينما كانوا حكامًا مستعمرين للهند، وتبنوها، وبذلوا لنصرتها ما في وسعهم من الإمكانيات المادية والمعنوية، وكذلك احتضنتها اليهودية العالمية، ولهم مراكز في أنحاء العالم وفي إسرائيل لنشر الإسلام كما يزعم القاديانيون، ويتزعم هذه الفرقة شخص اسمه غلام أحمد القادياني، واسم والده غلام مرتضى، واسم أمه جراح بي بي. انظر: فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام، وبيان موقف الإسلام منها، للدكتور غالب بن علي عواجي ج2 ص744 وما بعدها.

([4])  هذه الفرقة ظهرت بدعتها في القرن الثاني الهجري، زعم أصحابها أنهم قرآنيون وأنهم يكتفون بالقرآن كمصدر تشريعي ثابت عن الله تعالى، ودعوا إلى ترك السنة؛ وذلك لأهداف خبيثة، منها:‏ إسقاط العبادات ومعظم الأحكام الشرعية التي لا تثبت إلا بالسنة، إضافة إلى تحريف معاني القرآن الكريم، وتفسيرها على هواهم، فمن المعروف أن السنة المشرفة هي التفسير العملي للقرآن الكريم.

ولقد تصدى لهم علماء الأمة، وتم وأد هذه البدعة الضالة في وقتها، ولكن بعض الدوائر الاستعمارية قامت ببعث هذه الأفكار الضالة من جديد على أيدي دعاة مرتزقة، همهم المال والشهرة، ولقد جهر بعضهم بشكل واضح على الملأ برفضهم للسنة النبوية، والاكتفاء بالقرآن الكريم، أمثال: محمد شحرور، والدكتور أحمد صبحي، وغيرهما. من موقع: موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.

([5])  أخرجه مسلم في كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، برقم (1599)، صحيح مسلم بشرح النووي ج7ص4331 .

([6])  أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب “الحلال بيّن، والحلال بيّن، وبينهما مشتبهات”، برقم (2051)، فتح الباري ج4 ص340 .

([7]) أخرجه الإمام أحمد في المسند ج4ص480 .

([8]) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب “لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن”، برقم (137)، فتح الباري ج1 ص285 .

([9]) أخرجه البخاري في كتاب اللقطة، باب إذا وجد تمرة في الطريق، برقم (2431) ، فتح الباري ج5 ص103 .

([10])     المغني مع الشرح الكبير ج4 ص22-23 .