بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبعد:
فالتبرج إظهار المرأة لمحاسنها للرجال الأجانب عنها، إمَّا لقصد الشهرة بإظهار جمالها، أو لضعف في عفتها، أو لجهلها بما ينشأ عن تبرجها من المحظور.
والأصل في تحريم التبرج الكتاب والسنة والإجماع والمعقول.
أما الكتاب: فقول الله تعالى: {وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} [الاحزاب: 33]([1]). وقوله عز وجل: {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ} [النور: 31]، والعلة في التحريم أن النساء في الجاهلية الأولى كن يباهين بزينتهن ويمشين متبخترات؛ فكن فتنة للرجال، ومفسدات للأخلاق فحرم الله فعلهن، ولم يستثن من التحريم إلا القواعد منهن لكبرهن، ولعدم رغبة الرجال فيهن فقال عز وجل: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء اللاَّتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ} [النور: 60]، والمعنى أنه ليس عليهن إثم أن يقمن بين يدي الرجال مع الاكتفاء بوضع الدرع والخمار، وفي قراءة عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه- (أن يضعن من ثيابهن) وهو الجلباب من فوق الخمار، فلا بأس أن يضعن عند غريب أو غيره بعد أن يكون عليهن خمار صفيق([2])، ومع ذلك فاستثناؤهن ليس مطلقًا بل جعل الله عز وجل الخير لهن في عدم وضعهن لثيابهن.
وأما تحريم التبرج في السنة فمنه ما ورد أن أميمة بنت رقيقة جاءت إلى رسول الله ﷺ تبايعه على الإسلام فقال عليه الصلاة والسلام: (أبايعك ألا تشركي بالله، ولا تسرقي، ولا تزني، ولا تقتلي ولدك، ولا تأتي ببهتان تفترينه بين يديك ورجليك، ولا تتبرجي تبرج الجاهلية الأولى)([3]).
ومنه ما رواه عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ كان يكره عشر خصال، ومنها: التبرج بالزينة لغير محلها([4]).
ومن الأحاديث ما رواه عبدالله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (سيكون في آخر أمتي رجال يركبون على سروج كأشباه الرجال ينزلون على أبواب المساجد نساؤهم كاسيات عاريات على رؤوسهن، كأسنمة البخت العجاف ألعنوهن فإنهم ملعونات لو كانت وراءكم أمة من الأمم لخرمن نساؤكم نساءهم كما يخر منكم نساء الأمم قبلكم)([5]).
ومنها ما رواه أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: (أيما امرأة استعطرت، ثم خرجت على قوم ليجدوا ريحها، فهي زانية وكل عين زانية)([6])، وفي حديث أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله ﷺ قال: (أيما امرأة وضعت ثيابها في غير بيت زوجها، فقد هتكت ستر ما بينها وبين الله عز وجل)([7]).
والمعنى أن من تتبرج للرجال الأجانب، فإنها تخون ما بينها وبين الله من عهد، وهو نهي الله لها عن التبرج بالزينة لغير زوجها، والأحاديث في الأمر للمرأة بالستر وعدم التكشف، وإظهار الزينة للرجال كثيرة.
وأما الإجماع: فإن الأمة مجمعة في سلفها وخلفها على أن التبرج بالزينة أمر محرم، ليس لأنه من سنن الجاهلية التي حرم الله علينا اتباعها فحسب بل لأنه مدعاة للفتنة، ووسيلة إلى ارتكاب المحظور وفساد الأخلاق، وشيوع الفواحش، وهلاك الأمم.
وأما المعقول: فإن الله عز وجل لما جعل عقد الزواج أساسًا للعلاقة الشرعية بين الذكر والأنثى، وما ينشأ عن هذه العلاقة بينهما من السكينة والمحبة ونسل الذرية، سمَّى هذا العقد بالميثاق الغليظ في قوله عز ذكره: {وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا}(1) [النساء: 21]، وهذا الميثاق يقتضي حكمًا وعقلًا أن يختص الزوج بزوجته، فإذا تبرجت لغيره أفسدت هذا الاختصاص وأفسدت معه ومن ثم عهد الله وميثاقه الذي أخذه عليها.
قلت: ومع تباين تفسير صفة {تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} وكيفيته إلا أنه بالمعنى العام تكشُّف المرأة، وتبذلها، وقيامها بين يدي الرجال الأجانب، وعدم احتشامها أمامهم؛ وهذا ما هو -للأسف- واقع اليوم بين قلة من نساء المسلمين من كشف صدورهن وإظهار شعورهن، وما على صدورهن وآذانهن من الحلي والزينة، ناهيك بما يفعله بعضهن من التبذل والإختلاط في الأسواق، وما يصدر في ذلك من هفوات القول، ورذيله مما يدخل في حكم فعل الجاهلية بحسبه مدعاة للفتنة ووسيلة قد تؤدي إلى المحرم.
ولا شك أن هذا نتيجة تقصير في تربية النشأ من الفتيات، وضعف غرس الاحتشام فيهن في صغرهن في اللباس وغيره مما ينشأ معه جهلهن بالأحكام الشرعية وحبهن لتقليد المتبرجات في كبرهن دون إدراك لآثار هذا التقليد وخطره على سلوكهن.
إن الحل فيما يسأل عنه الأخ السائل هو تعويد الفتيات المسلمات في صغرهن على الاحتشام في اللباس، وتعويدهن على الفضيلة والأخلاق؛ فهن الأساس في إنجاب الرجال الذين يحفظون الأمة أو يضيعونها كما ضاعت أمم بسبب تفريطها في تنشئة أجيالها.
وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عـوده أبـواه
الأمم شعب إذا أعددتها أعددت شعبًا طيب الأعراق
وخلاصة المسألة: تحريم تبرج النساء بالزينة بين يدي الرجال الأجانب بحكم الكتاب والسنة والإجماع والمعقول؛ فقد حرم الله عليهن التبرج في جميع صوره، ولم يستثن إلا القواعد منهن، اللائي لا يرغب فيهن الرجال لكبرهن، وهذا الاستثناء مقيد بأن كون قيامهن بين يدي الرجال، وهن متسترات بخمار ونحوه ناهيك بأن من الخير لهن ألا يقمن بين يدي الرجال، وأن الحل الذي يسأل عنه الأخ السائل، هو تعويد الفتيات المسلمات في صغرهن على الاحتشام في اللباس، وتعويدهن على الفضيلة والأخلاق لأنهن الأساس في إنجاب الرجال الذين يحفظون الأمة، أو يضيعونها كما ضاعت أمم بسبب تفريطها في تنشئة أجيالها.
والله تعالى أعلم.
([1])وفي معنى الجاهلية الأولى أقوال عدة منها: ما ورد عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنها ما بين نوح وإدريس – عليهما السلام – وكانت ألف سنة قال: وإن بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل، والآخر يسكن الجبال، وكان رجال الجبال صباحاً وفي النساء دمامة، وكان نساء السهل، ورجاله على العكس، فاتخذ أهل السهل عيداً يجتمعون إليه في السنة، فتتبرج النساء للرجال، والرجال لهن وإن رجلاً من أهل الجبل هجم عليهم في عيدهم ورأى النساء وصباحتهن، فأتى أصحابه، فأخبرهم بذلك، فتحولوا إليهن فنزلوا معهن فظهرت الفاحشة فيهن، وفي رواية أخرى: أن المرأة حينذاك تجمع بين زوج وعشيق. “تاريخ الطبري” (1 / 166 – 167)، روح المعاني للألوسي (ج22 ص 8).
([2]) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج12 ص39.
([3]) أخرجه الإمام أحمد في المسند ج2 ص196، حسن إسناده الألباني في جلباب المرأة، (١٢١).
([4]) أخرجه الحاكم في المستدرك كتاب اللباس، برقم (7418)، ج4 ص216، قال أحمد شاكر في تخريج المسند لشاكر، (٥/٢١٣): إسناده صحيح.
([5]) أخرجه الإمام أحمد في المسند ج2ص223، صحح إسناده الألباني في جلباب المرأة، (١٢٥).
([6]) أخرجه النسائي في كتاب الزينة، باب ما يكره للنساء من الطيب، برقم(5141)، ج8 ص532، صححه الألباني في صحيح الجامع، (٣٢٣).
([7]) أخرجه الإمام أحمد في المسند ج6 ص173، صححه الألباني في صحيح ابن ماجه، (٣٠٣٦).