حكم من يقول: إن غير المسلم لو قال إن الإله واحد. فيجوز بعده أن يتزوج من المرأة المسلمة، ولا يلزم له أن يؤمن بالرسول ﷺ، كما يقول: إن الرجل المسلم يجوز له أن يتزوج من المـرأة التي تقـول إن الإله واحد، ولـو كانت لا تؤمن بالرسول محمد ﷺ ولا بالنصرانية أو باليهودية، سؤال من أمانة الإفتاء لأهل السنة والجماعة في جنوب الهند.

حكم تزويج غير المسلم إذا قال إن الإله واحد ولم يؤمن بالرسول ﷺ

فهذا القول باطل من وجوه:

الوجه الأول- وجوب التلازم الحكمي بين الشهادتين:

وهـو أن الإقرار بالربوبية، أو الألوهية لا ينفع صاحبه إذا كان لا يقر بنبوة رسـول الله محمد ﷺ و رسالته؛ لأن الله قد أوجب على سائر البشر أن يؤمنوا بهذه الرسالة، وجـوبا قطعيًا لا خيار لهم فيه، والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع والمعقول.

أما الكتاب: فقول الله عز وجل: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ} [النساء:136].

وقوله عز وجل: { يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُواْ خَيْرًا لَّكُمْ} [النساء:170].

وقوله جل ثناؤه: {فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون} [الأعراف:158]، وقوله تقدست أسماؤه: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة:67].

وقوله عز من قائل: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الأحزاب:45]، {وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا} [الأحزاب:46].

نعم: إن رسول الله ﷺ سيد ولد آدم، وصاحب الشفاعة العظمي يوم القيامة، حين يتخلى عنها الأنبياء والرسل الآخرون، وهو صاحب الحوض المورود، وأمته أفضل الأمم، وهو أفضل الرسل والمفضل على الأنبياء والمرسلين، بما أخذه الله عليهم من الميثاق للإيمان برسالته وفي هذا قال جل ثناؤه: {وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِين} [آل عمران:81].

أما الأصل الثاني في وجوب الإيمان برسالة رسول الله ﷺ فهو السنة: وفي هذا قال -عليه الصلاة والسلام-: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحـد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم لا يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار)([1]).

وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة في سلفها وخلفها على أن الإيمان بنبوة رسول الله محمد ﷺ في رسالته أصل في عقيدة الإسلام وأن من ينكر هذه الرسالة في كلياتها أو جزئياتها أو يشكك فيها أو يؤمن ببعضها ويكفر بالبعض الآخر لا يعبد مسلما بأي حال وحكمه حكم الكافر.

وأما المعقول: فإن من يؤمن بالله يوجب عليه هذا الإيمان أن يؤمن برسالة رسول الله ﷺ، ذلك أن الذي أرسله هو الله، والذي أمره هو الله والعقل يقتضي أن من يطيع الأمر، يجب أن يطيع ما أمر به، فإن لم يطع هذا الأمر فهو لم يطع من أمر به؛ لأن الطاعة لا تتجزأ إذ لا يعقل أن يقول إنسان أنا أطيع الله ولكن لا أطيع أمره، وقد بين الله ذلك في كتابه الكريم بقوله تعالي وتقدس – {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ} [النساء:59]، وقوله -عز من قائل: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ} [النساء:80]، وقوله على لسان نبيه ورسوله: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران:31].

فاقتضى هذا أن من أقر بألوهية الله، ولم يقر برسالة رسوله محمد ﷺ يعد غیر مسلم وحكمه حكم الكافر.

الوجه الثاني – تحريم زواج غير المسلم من المسلمة:

الأصل ألا تتزوج المسلمة إلا مسلما تتوافر فيه أركان الإسلام وأحكامه، فمن أقر ببعض هذه الأركان، وأنكر بعضها فلا يعد مسلمًا، بل حكمه حكم الكافر، ويحرم تزويجه من المسلمة، والأصل في هذا القرآن والسنة.

أما القرآن: فقول الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة:10] .

وأما السنة: ففعل رسول الله ﷺ مع أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وزوجها عمرو بن العاص؛ فقد أسلمت هذه ولم يكن زوجها قد أسلم بعد، فبينما كان رسول الله ﷺ في الحديبية بعد أن فرغ من الـصـلح مع المشركين – وفيه أن من أتـاه من أهل مكة ردّه إليهم- جاءت ومعها أخواها فارين من الشرك، فرد رسول الله ﷺ أخويها وحبسها فقالوا لرسول الله ﷺ: ردها علينا للشرط، فقال -عليه الصلاة والسلام-: (كان الشرط للرجال وليس للنساء)([2]).

ولا خلاف بين السلف والخلف من الأمـة في تحريم زواج غير المسلم من المسلمة:

ففي مذهب الإمام أبي حنيفة: لا يجوز إنكاح المؤمنة الكافر لقول الله تعالى: {وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ} [البقرة:221].

ولأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، ولأن في إنكاح المؤمنة الكافر خـوف وقوعها في الكفر؛ لأن الزوج يدعوها إلى دينه، والنساء في العـادة يتبعن الرجال، فيما يؤثرن من الأفعال ويقلدنهم في الدين، وهذا التحـريم إما أن يكون ابتداء أو تبعًا، فيحرم أصلًا أن تتزوج المسلمة غير المسلم، ويحرم معه إذا ارتد عن دينه، فبردته يبطل زواجه؛ لأن النكاح يعتمد الملة كذلك أن تبقى ولا ملة للمرتد([3]).

وفي مذهب الإمام مالك: أن المشرك لا يطأ المسلمة بوجه، ومن ارتد فقد انقطعت العصمة بينه وبين زوجته ساعة ارتداده، ويكون ذلك بتطليقة بائنة، ولا تكون عليها رجعة([4]).

وفي مذهب الإمام الشافعي: يحرم التناكح بين المسلمين والمشركين بدلالة الآيات السابقة، ولقول النبي ﷺ: (أنا بريء من كل مسلم مع مشرك)([5]). فدل هذا على أن المسلمة لا تحل لكافر سواء كان هذا كتابيًا أو مرتدًا أو وثنيًا.

وفي مذهب الإمام أحمد: لا يحل لمسلمة نكاح كافر بحال([6]).

وفي المذهب الظاهري مثل ذلك؛ استدلالًا بقول الله تعالى: {وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا} [النساء:141]([7]).

وينبني على ما سبق أن المسلمة لا تحل لكافر بحال، سواء كان هذا كتابيًا، أو وثنيًا، او مرتدًا، أو متخذًا أي عقيدة، أو مذهب يخالف أحكام الإسلام كحال أصحاب الفرق السابقة أو المعاصرة، الذين يكفرون بما أنزل الله، أو يلحدون في أسمائه أو صفاته، أو ينكرون سنة رسول الله كلا كلا أو جزءًا، أو نحو ذلك مما يخرج ملة الإسلام، فاقتضى هذا بطلان قول من يقول بجواز نكاح المسلم من المسلمة، لما فيه من مخالفة صريحة لكتاب الله وسنة رسوله محمد ﷺ وإجماع الأمة.

الوجه الثالث – تحريم زواج المسلم بالمرأة من غير أهل الكتاب:

يحرم على المسلم نكاح من ليست من أهل الكتاب، والأصل في هذا قول الله تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [البقرة:221]، ويجوز له أن يتزوج من نساء أهل الـكـتـاب وهم اليهود والنصارى، بدلالة قول الله عز وجل: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} [المائدة:5]، وبدلالة ما رواه جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: (نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا)([8]).

وقد تزوج نفر من الصحابة -رضوان الله عليهم- من نساء أهل الكتاب: فتزوج عثمـان – رضي الله عنه- نائلة بنت الفرافصة الكلبية وهي نصرانية، كما تزوج حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- بيهودية من أهل المدائن، فلا خلاف إذا بين الأمة في نكاح نساء أهل الكتاب سوى ما قيل عن توقف عبد الله بن عمر في ذلك لرأي راه، وله فيه مخالف، أما ما سوى ذلك من نساء غير أهل الكتاب كالمجوس ومن في حكمهم، فلا يجوز التزوج منهم، لدخولهم في عموم قول الله تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [البقرة:221]، فاقتضى هذا أن المرأة التي تدعي إيمانها بالألوهية، ولا تؤمن برسالة رسول الله ﷺ، ولا تؤمن باليهودية أو النصرانية تعد في حكم المشركة التي حرم الله نكاحها.

وينبني على ما سبق أن القول بجواز زواج غير المسلم بالمسلمة إذا كان يقر بالألوهية فقط، ويجحد رسالة رسول الله ﷺ، وزواج المسلم بالتي تقر بالألوهية فقط ولا تؤمن بالإسلام، ولا باليهودية أو النصرانية، قول باطل، وافتراء على الله، وتعد على أحكامه وقـد تـوعـد من يفعل ذلك في قوله عزوجل: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُون} [النحل:116].

{مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم} [النحل:117]، وقوله – تقدست أسماؤه -: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُون} [الأنعام:157].

وقوله جل ثناؤه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الإِسْلاَمِ} [الصف:7].

 

([1]) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته، صحیح مسلم مع شرحه إكمال إكمال المعلم للبيع للأبي، ج1 ص ٤٤٠-٤٤٢، برقم (٢٤٠).

 

([2]) تفسير القرآن العظيم لابن كثير. ج4 ص ٣٥٠-٣٥١، والحديث أخرجه البخاري، (٢٧١١).

([3]) بدائع الصنائع الكاساني، ج۲ ص۲۷۱، وحاشية رد المحتار لابن عابدين، ج۳ ص١٨٦ – ١٨٧، والمبسوط للسرخسي، ج5 ص٤٨-٤٩، والبناية شرح الهداية لبدر الدين العيني ج5 ص۲۳۹

([4]) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ج۳ ص 72، وعقد الجواهر الثمينة لابن شاس، ج۲ ص55

([5]) الحاوي الكبير للماوردي، ج۱۱ ص٣٤٩، والمهذب للشيرازي، ج۲ ص٤٤. والأم للإمام الشافعي، ج5 ص١٦٤، وقال شعيب الأرنؤوط في تخريج مشكل الآثار، (٣٢٣٣): إسناده صحيح على شرح البخاري.

([6]) المبدع في شرح المقنع لابن مفلح، ج۷ ص۷۰.

([7]) انظر المحلى بالآثار لابن حزم، ج۹ ص۱۹.

([8])  ذكره ابن جرير الطبري في تفسيره، ج۲ ص ۳۷۸، وقال: «فهذا الخبر وإن كان في اسناده مافيه، فالقول به لإجماع الجميع على صحة القول به.. وانظر تفسير القرآن العظيم لابن کثیر، ج۱ ص ٢٦٥، وقال أحمد شاكر في عمدة التفسير، (١/٢٦٥): إسناده صحيح، ولكن هذا المتن غريب جدا ، شاذ يخالف سائر الدلائل.